
الناس على مذهبين، مذهب هذا العالم، ومذهب ما وراء هذا العالم،
الأول يؤمن بصدفة وجوده وأنه حر ويصنع قواعده بنفسه، والآخر يؤمن بغائية وجوده وأنه ليس حرًّا بالكامل وأن من أوجده لطف به وأراه السبيل،
مذهب الاستمتاع بهذا العالم، ومذهب تدبر السلوك فى هذا العالم تحسبًا لما سيأتى بعده، حياة هذا غير حياة ذاك، مسالك هذا غير مسالك ذاك، كل من المذهبين يتمنى زوال الآخر لأنه ينغص عليه حياته، كلاهما يرى أن الآخر أحمق أو مغفل، الأول قواعده اعتبارية مزاجية، والثانى قواعده ثابتة سرمدية، وفى الحقيقة لا يمكن جمعهما فى مذهب واحد لأن هذا معناه اجتماع النقيضين، لذلك يحاول أهل المذهبين أن يهدى أحدهما الآخر لما يؤمن أنه حقًا، وهذا من حق أى إنسان فى الواقع وفطرة بداخله. انظر فى التاريخ وسوف ترى المجاذيب فى الطرقات، المتنبئين فى الحارات، الكهنة فى محافل العبادات، الأنبياء قرب انتهاء الحضارات، حتى النادل فى البارات كل من لديه معرفة أو علمًا يسعى لأن يشارك به أكبر عدد ممكن من الناس، يسمى بالتواصل الاجتماعى، يقوم به الناس طوال الوقت، حتى أنهم صنعوا عوالم افتراضية يتواصلون عن طريقها عندما يكونون خارج التغطية الشخصية، وحتى العالم كله متواصل بشكل أو بآخر كما نقرأ فى علوم الفيزياء والأحياء.
ورغم الزعم بحرية الرأى وحرية إبدائه من الفريقين نجد من العجيب أن نسمع ونقرأ من ينادى دومًا بالخروج عن تلك الطبيعة البشرية -طبيعة نشر المعلومات- فيظن الماديون مثلا أن أصحاب المذهب الماورائى يحاولون التسلل إلى منظومته بالمسلمات والمشهورات، ويظن الإلهيون أن أصحاب المذهب الطبيعى يحاولون التسلل إلى منظومته بإثارة الشبهات فينادى الجميع بضرورة السكوت عن إبداء الآراء والسلوك، بمعنى دارج تسمع كلمة “خليك فى حالك” أو المفضلة لدى النساء “ملكش دعوة” وإذا كنت من مرتادى المقاهى يصبح التعبير هو “ملكش فيه”!
لماذا نسمع تلك التعبيرات؟ الفكرة هنا نابعة من الحرية والحرية نابعة من معتقداتى بحريتى وحدوها وتعريف مفهومها، فأنا لا أرى لى سيدًا؛ لذا أنا سيدى فأنا حر، لذلك ليس لأحد السلطة أن يحاسبنى أو ينصحنى أو يعنفنى، لكنى فى نفس الوقت قد أعنف غيرى على مسالكهم ومظاهرهم ومعتقداتهم لأنى أدافع عن الحرية هنا التى أرى أنها شئ سامى، وعندما أرى الحمقى من الملتحين والمحجبات يهينون المعنى السامى الذى أؤمن به أتوجه إليهم بالنقد والتقريع. وعلى منحى آخر الإنسان صاحب المبادئ الإلهية يرى أنه عارف بالحدود والقوانين فيرى أن مهمته أن يتتبع المخالفين ويوسمهم بألفاظ مثل “كافر” أو “عاصى” متغافلاً عن مبدأين مهمين، الأول هو أن وظيفته هى إصلاح النفس ثم إصلاح المجتمع بمعنى المساعدة على تزكيته وليس إصدار الأحكام والتصنيف فهو بهذا خرق القانون الأول فى الأديان الذى هو التوحيد، والثانى هو لم يفكر فى الدوافع التى جعلت هذا الشخص يفعل ما هو مخالفًا لما يؤمن، فقد يكون الآخر بالفعل لا يؤمن بالإله أو يؤمن به كتعويذة حظ وليس كسيد أو مشرع
لماذا أطالب غيرى بالسكوت؟ لأنه يضر بأسلوب حياتى، ويعكر صفوها، وفى الحقيقة تلك أنانية لا تغتفر، فمن حقى أن أبغض من اعتقد أنه أهل الباطل وأنه يحاول نشره ولكن هذا لا يجب أن يجعلنى أن أفنيه من على وجه البسيطة، وقد تعلمنا هذا حقيقة من النظام العالمى السائد الذى يؤمن ويبشر بحق القوة, فالفكرة هنا هى عن حق القوة وليس عن حب الحقيقة والمعرفة، أن أجبر غيرى على السكوت بكل طريقة ممكنه لأنه كالذبابة التى تعكر صفو حياتى فى يوم حار، فنسمع عن المتطرفين من الجانبين -وفى جانب أصحاب الرؤية الإلهية أكثر- يحاولون إسكات الآخر وإرهابه سواءً بالكلام أو بالاغتيال.
إن الحق الأكيد الذى نعتقد أنه لنا ولغيرنا هو حق تبادل المعلومات، حق التعريف عن نفسي وعن هويتى، حقى فى أن أبنى يوتوبيا التى أحلم بها، التى أرى أنها المكان الذى يجب أن أعيش فيه، أو المكان الذى أمرنى الرب أن أبنيه، هذا حق مشترك للجميع وينبغى أن لا يسلبه أحدنا من الآخر وإلا خسرنا إنسانيتنا, فمن يعطى حق الحرية لنفسه لا بد أن يعطيه لغيره, فلا الملحد له الحق فى وضعى على موازينه ولا أن أضع الملحد على موازينى, فلا ألزم كل شخص بما قال به وآمن.
كل إنسان له نظرية وتلك النظرية ينبثق منها سلوك، فالعقل يوجب النظر فى النظرية وليس فى السلوك، تناول المفاهيم بدلاً من الخوض فى المصاديق، الإنسان المادى حقيقة له دوافعه التى له كل الحق فيها فى ظل العالم المتناحر الذى نعيش فيه، عالم قد سأم من الوجود ويرغب فى إنهاء حياته فيخرج أسوأ ما فيه إلى الوجود، والإنسان الإلهى أيضًا له دوافعه وما يجبره على التصديق بوجود كيان مجرد جاء به إلى هذا العالم ويشعر بالسكينة كلما تواصل معه.
وفى النهاية نختم بأنه لن يستطيع بشر عادى إنهاء حالة الصراع القائمة فى العالم، بمعنى آخر ستظل قائمة حتى يأذن الله بفتح من عنده على الجميع، نحن ننتظرها, ننتظر أن تمطر على العطاشي والمساكين، فلو سأل سائل هل لا بد أن تمطر؟ فليس من الضرورى أن تمطر، قد ينتهى العالم قبل أن نعرف أو نفهم، نقول بابتسامة وإشراق أننا نؤمن بالعدل واللطف الإلهى، وكما قال الحكيم المصرى فى التسعينات “لا بد من يوم محتوم تترد فيه المظالم أبيض على كل مظلوم، أسود على كل ظالم”.