إصداراتمقالات

“The Giver “فيلم وحلم المدينة الفاضلة

الألم، الخوف، الكراهية، الغيرة، الجوع، العطش والشهوات المتتالية التي كلما شرعت لتحقيق واحدة سرعان ما تظهر أخرى تسعى لتحقيقها وهكذا دواليك… ألم تشعر في لحظه أنّ حياتك مثقلة جداً بذلك الجانب الشهواني المادي وكم تمنيت أن تصبح روحاً خفيفة بلا جسد تحلق بعيدًا عن عالم المادة متكاملةٌ بذاتها لا تسعى لشيء ولا تنتظر شيئا!؟

يبدأ هذا الفيلم بعرض لمجتمع يشبه تماما ما نتمنى… مجتمع بُني من حطام المجتمعات السابقة، بُني من أنقاض الحروب التي أهلكت البشر… مجتمع يعيش أفراده متساوين لا اختلافات بينهم، يتم تخليقهم بالهندسة الوراثية وزراعتهم في أرحام نساء تم تكليفها بتلك الوظيفة، هم وحياتهم بلون رمادي واحد لا يثير الغيرة ولا الأحقاد، ليس لديهم اختلافات في فصول السنة فالجو دائمًا معتدل مناسب للزراعة وللعمل، يتناولون جرعه حَقن صباحية تحميهم من الشعور… نعم تمنعهم من أيّ شعور أو رغبة، حياتهم تسير وفقًا لجدول فُرض عليهم، يذهبون لأعمالهم التي تم تكليفهم بها تبعًا لقدراتهم ويتناولون الطعام ويستريحون ثم يعاودون العمل في اليوم التالي… لا شيء يؤرقهم، ولا أعباء.

في هذا المجتمع هناك شخص واحد يحمل ذكريات الماضي… ذكريات ما قبل بناء هذا المجتمع. نُقِلت إليه الذكريات من قِبَل حامل الذكريات الذي سبقه وتتمثل وظيفته في أمرين أولهما أنه يقدِّم المشورة لحاكمي هذا المجتمع -تم تسميتهم بالراشدين- والثانية أنه لا بدّ أن ينقل ما يحمله من ذكريات لشخص آخر يصغره في السن ليخلفه بعد ذلك في مهامه .. وبدأ العمل بإعطاء وتلقي الذكريات!

ذكريات الألوان، ذكريات فصول السنة المختلفة، الحيوانات المنقرضة، الثلوج المتساقطة، ذكريات الموسيقى والغناء والضحكات، ذكريات الشعور بالحب وبالألم، بالفقد وبالقوة، بالشجاعة وبالإصرار وحتى الحروب والقتل والمجاعات والثورات تم نقل ذكرياتها من “المعطي” إلى البطل “متلقي الذكريات”!

هنالك أدرك “المتلقِّي” أنّ حياةً بالألوان والاختلافات والشعور-حُلوِهِ ومُرِّهِ- أفضل كثيراً من حياه رمادية اللون أحادية النغمة لا اختيار فيها ولا تفضيل لشيء على آخر فيقرر الخروج من حاجز الذكريات وإعادتها لكل أفراد المجتمع فتعود الألوان والمشاعر والشهوات ويعود إليهم اختيارهم الحر!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

أتفق معك تماماً أنّ عودة تلك القوى الشهوية والغضبية –متمثلةً في عودة الشهوات والمشاعر- لأفراد ذلك المجتمع ربما سيؤدي لتكرار الكراهية والحروب والصراعات والقتل والتدمير وأرجو أن تتفق معي أيضًا أنّ فطرة الإنسان تنزع دائمًا للخير وترغب إليه ولكن في الحقيقه الإنسان كائن إجتماعي يسعى لتحقيق كمالاته ورغباته الحياتية ولسوف يصطدم في سعيه هذا بالضرورة بكمالات شخص آخر ومن هنا سينشأ الصراع والنزاع وستنشأ أيضًا الحاجة لقانون حاكم مسيطر وحكيم.

ولكن لن تكون الحكمة في منعه من تحقيق كمالاته أو إلغاء شهواته ولا حرمانه من هبة الاختيار كما فعل هؤلاء “الراشدون” ولكن ربما سيكمن الحل في وضع تشريع عادل وحكيم يتعامل مع جوانب الإنسان المختلفة ومع احتياجاته المتنوعة…

الإنسان كائن معقد جدًا: روحاً و جسداً و عقلاً… لم يُخلق الجسد -متمثلاً في قوى شهوية وغضبية- ليُثقِل الجانب الروحي بل ليكمله. الإنسان حيوان عاقل ميزّه الخالق بالعقل عن سائر المملكة الحيوانية ولكنه أيضاً ليس ملائكياً كاملاً… وُجد في عالمٍ مادي ناقص يسعى لكماله ويتحرك نحو سعادته فأصبح مختاراً لا يُفرَض عليه الكمال ولكنه يسعى إليه!

 وإن فقد جسده -افتراضًا- لن يصير إنساناً لأن  الجسد من ذاتياته.. بالجسد تتكامل روح الإنسان في عالم المادة ولولاه لما تمكنت من الحركة والسعي إلى المعرفة وقد خُلق العقل ليكون مسيطراً على شهوات الإنسان متحكماَ بالجسد وحاكماً..

وأما عن واضع التشريع الأمثل فلا بدّ أن يكون كامل العلم وكامل الحكمة عليما بكل ما يتعلق بالإنسان وبخَيرٍه… وليس هناك أعلم بالإنسان مِن خالِقه!

أشعر أننا سنتمكن من الوصول لمجتمع فاضل يوماً ما على الرغم من فشل محاولات عرض العديد من النماذج أو تطبيقها… ربما لا نمتلك حتى الآن رؤية كاملة لهذا المجتمع ولكن الآن لدينا اليقين بأنّ الوصول لهذا المجتمع لن يتأتى بتحقير بعض جوانب الإنسان أو بطغيان بعضها على الآخر، وأي نظام سيُبنى على ذلك سينتهي بالفشل لا شك، فلا بدّ من إحترام الطبيعة الإنسانية المعقدة وتقدير جوانبها المختلفة وإعطاء كل ذي حقٍ حقه.

آلاء نبيل

كلية الطب – جامعة المنصورة
باحثة بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالمنصورة