
ليس من السهل أن يمرّ خبر بيع مئات رسائل الماجستير والدكتوراه بالكيلو، كما نشرت بوابة الأهرام، دون أن يثير الدهشة والأسى، وربما الغضب أيضًا.
فحين يعلن أحد تجار الكتب عن بيع أكثر من 500 رسالة علمية بسعر 25 جنيهًا للكيلو الواحد، تتجاوز المسألة حدود تجارة الكتب المستعملة لتطرح أسئلة أعمق بشأن قيمة العلم ومكانة البحث العلمي ومصير المعرفة في مجتمع يفترض أنه يسعى إلى التقدم بها.
إن وراء كل رسالة من هذه الرسائل سنوات من البحث والقراءة والتنقيب، وساعات طويلة قضاها باحثًا في المكتبات، وبين المراجع والمخطوطات والوثائق، محاولًا أن يضيف شيئًا إلى رصيد المعرفة الإنسانية.
ووراء بعضها أحلام شخصية ومهنية، وتضحيات مادية وأسرية، وربما ليالٍ طويلة من القلق والتعب في سبيل إنجاز عمل علمي ينال عنه صاحبه درجة أكاديمية.
فكيف انتهى الأمر بهذه الأعمال إلى أن توزن بالكيلو، ويحدّد ثمنها وفقًا لوزن الورق لا لقيمة ما تحمله من أفكار ونتائج؟
الإنصاف يقتضي ألا نحمّل تاجر الكتب وحده مسؤولية هذه المفارقة، فمصدر الرسائل وظروف وصولها إلى السوق لم تتضح بعد، ولا يجوز افتراض أنها خرجت من مكتبات جامعية أو أنها تعرضت للإهمال أو التفريط.
غير أن الواقعة تستحق التحقق من مسار هذه الرسائل، ومعرفة ما إذا كان بينها ما يخص مؤسسات أكاديمية أو يضم أعمالًا علمية تستحق الحفظ والتوثيق.
والمسألة، في جوهرها، تتجاوز مصير هذه المجموعة من الكتب إلى قضية أوسع: ماذا يحدث للمعرفة التي تنتجها جامعاتنا بعد انتهاء الباحثين من إعداد رسائلهم ومناقشتها؟
فبعض هذه الأعمال قد يظل حبيس الأرفف، فلا يصل إلى باحث آخر، ولا يجد طريقه إلى مؤسسة يمكنها الاستفادة من نتائجه.
وهكذا تتحول الرسالة، في بعض الحالات، من وسيلة لإنتاج المعرفة إلى محض محطة للحصول على درجة علمية، تنتهي أهميتها العملية بانتهاء المناقشة.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين القيمة المادية للورق والقيمة العلمية للمحتوى، فقد تكون بعض الرسائل قد تجاوزتها تطورات التخصص، في حين تضم أخرى وثائق نادرة أو نتائج يصعب تعويضها.
لذلك، لا يصح الحكم على جميعها من مصيرها في سوق الكتب، كما لا يلزم الاحتفاظ بكل رسالة إلى الأبد، وإنما ينبغي فهرستها وتقييمها علميًا، بما يضمن صون الأعمال المهمة وإتاحتها للباحثين.
فكيف يمكن تحويل هذه الواقعة من موجة تعاطف عابرة إلى فرصة لإصلاح حقيقي؟ قد يتطلب الأمر التالي:
- وضع آليات واضحة لحفظ الرسائل العلمية، ومراجعة سجلاتها، والتحقق من سلامة إجراءات التصرف في نسخها الورقية.
- إنشاء مستودعات رقمية موثوقة تتيح الوصول إلى محتواها، مع مراعاة حقوق الملكية الفكرية.
- التعاون بين الجامعات والمكتبات ومراكز التوثيق لإنقاذ الرسائل القديمة ذات القيمة العلمية أو التاريخية.
- إنشاء آلية دورية لمتابعة مصير هذه البحوث، ترصد ما ينشر منها، وما يتاح للباحثين، وما يُبنى عليها من دراسات لاحقة أو حلول عملية.
إن بيع الرسائل بالكيلو لا يكفي وحده للحكم على واقع البحث العلمي، لكنه جرس إنذار يستحق الإصغاء، فالمطلوب ليس الاحتفاظ بكل ورقة إلى الأبد، بل ضمان ألا تضيع معرفة جديرة بالحفظ بسبب الإهمال أو غياب التنظيم، وألا تتحول الدرجات الجامعية إلى غاية منفصلة عن إنتاج المعرفة.
قد يكون سعر الكيلو 25 جنيهًا، لكن ثمن إهدار المعرفة لا يقاس بالجنيهات، إنه سنوات من العمل وفرص لم تتحقق، ونتائج كان يمكن أن تمهّد الطريق أمام باحثين آخرين، أو أفكار كان يمكن إعادة اكتشافها والبناء عليها بعد عقود.
وإذا كانت هذه الرسائل قد وصلت إلى الميزان، فقد حان الوقت لأن نضع منظومة البحث العلمي نفسها على ميزان المساءلة: ماذا ننتج؟ ماذا نحفظ؟ وماذا يستفيد المجتمع؟
والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: كم يبلغ ثمن الكيلو؟ بل: كم تبلغ قيمة المعرفة في مجتمعنا؟ وما الذي نفعله حتى لا يصبح مصيرها محض وزنٍ من الورق؟
فالمشكلة ليست أن تباع أوراق بالكيلو، بل أن نسمح للمعرفة بأن تفقد طريقها إلى الحياة.
مقالات ذات صلة:
ولا عزاء للبحث العلمي في وطني!
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا