جزيرة القيامة

في قلب المحيط الهادئ، وعلى شواطئ جزيرة تحمل اسمًا مهيبًا، “جزيرة القيامة”، يقف قرابة ألف تمثال حجري عملاق تدعى “الموآي”.
وجوه طويلة، وشفاه مطبقة، أجساد ساكنة، وعيون غائبة تحدق في الأفق بملامح جامدة متجهمة منذ قرون، كأنها خرجت من شق في الزمن لتشهد على من نحتوها.
رؤوس هائلة يزن بعضها عشرات الأطنان، نحتها سكان «رابا نوي» الأصليون، وساقوها عبر تضاريس الجزيرة الوعرة بطرق لا تزال لغزًا، ليقيموها على منصات حجرية دامت إلى يومنا هذا.
لم تكن هذه الوجوه محض صخور صماء في أعين صانعيها، ربما كانت تمثل أسلافًا، ومكانة، وربما أوثانًا ابتلع الزمن تفاصيل طقوسها.
اليوم، غابت الأيدي التي حفرت، وسكتت الأصوات التي رتلت، ومضت الأجيال التي قدست، ما تبقى الحجر فقط. ذلك الصخر الذي أريد له أن يحفظ الحكاية، ابتلع الحكاية كلها وصار هو الذاكرة الوحيدة.
تاريخيًا، يختلف الباحثون بشأن النهاية الكارثية لهؤلاء القوم.
هناك رواية شهيرة تتخذ من الجزيرة أيقونة لـما يسمى “الانتـحار البيئي”، إذ استنزف السكان آخر شجرة وآخر قطرة ماء لدحرجة هذه الكتل الصماء، فماتوا جوعًا وفنوا عن آخرهم لتعيش تماثيلهم وذلك قبل وصول المستعمر الأبيض من أوروبا.
دراسات أثرية وجينية حديثة أعادت النظر في تلك الفرضية وأبرزت أن المجتمع ظل قادرًا على الاستمرار والتكيف ثم جاءت الغارات الأوروبية التي قررت أن الأمريكتين وما حولهما من جزر حق أصيل لهم بمنطق القوة، ومن ثم استهدفوا السكان للاستعباد، ثم جاءت معهم الأوبئة التي لم تعرفها يومًا مناعة السكان الأصليين ومن ثم فنوا عن آخرهم.
لا نملك أن نختزل تاريخهم في رواية موثقة من الروايتين لكن المشهد المتبقي يترك أمامنا سؤالًا يستحق التأمل: ما الذي يحدث حين ينشغل الإنسان بما يريد أن يبقى منه، أكثر مما ينبغي أن يحيا به؟
الحق أن بعضنا لا يختلف كثيرًا عن سكان تلك الجزيرة المنسية، منا من يفني طاقته ويحرق غاباته الداخلية لينصب تماثيله الخاصة، وإن اختلفت المواد.
تمثالك الحجري قد لا يكون من البازلت، قد يكون صورتك الاجتماعية التي ترهق أعصابك في حمايتها، أو منصبك الذي يسحقك الرعب من فقدانه، أو رصيدك المالي الذي تضخمه على حساب أيامك.
أو ذلك الكبرياء الأجوف الذي يمنعك من نطق كلمة “آسف”، مفضلًا أن تخسر صديقًا على أن تخدش صنمك الشخصي. قد يكون تمثالك بيتًا فخمًا لا تجد فيه ركنًا دافئًا، أو نجاحًا يصفق له الغرباء لكن صدى تصفيقهم لا يتردد في جنبات روحك.
نحن ننحت هذه الأصنام الوهمية كل يوم بصور تختلف من شخص لآخر،
ولأنها بالغة الثقل، فإننا نستهلك في سبيل دحرجتها وتلميعها أغلى ما نملك. نقطع أشجار صحتنا الجسدية والنفسية، ونجفف ينابيع الطمأنينة في صدورنا، ونترك علاقاتنا تذبل تحت وطأة الانشغال، فقط ليقف التمثال شامخًا في أنظار الناس.
نؤجل الراحة إلى أن ننتهي من العمل، ونؤجل لقاء من نحب حتى “تستقر الأمور”، ونؤجل الحياة نفسها حتى نفرغ من بناء الصورة التي نريد أن نذكر بها.
المأساة أن هذه التماثيل شديدة الشراهة، كلما ارتفع التمثال وطال ظله، طلب مزيدًا من الحجر، وكلما اقتربنا من الصورة المشتهاة، ابتعدت عنا لحظة الرضا.
رسائل التحذير تحيط بنا في كل غصن يسقط من شجرة داخل الروح، نلمحها في رجفة الإرهاق التي تضرب أجسادنا، في برودة علاقاتنا، في نفاد صبرنا مع أقرب الناس، وفي ذلك الخواء اللزج الذي ينتابنا في ليالي الأرق حين ينفضّ ضجيج النهار.
لكننا نكابر، نفسر جفاف أرواحنا بأنه ضريبة النضج، ونقرأ الإنهاك أنه فاتورة حتمية للنجاح، نمضي العمر نبني ما سيبقى بعدنا، وننسى تمامًا ما ينبغي أن يبقى “فينا”.
ثم تأتي العواصف والغارات؛ أزمة صحية توقف الركض، خسارة تهز ثوابتك المادية، أو خريف مباغت تلتفت فيه حولك لتجد مقاعد الأحبة فارغة.
حينها فقط، تكتشف الحقيقة: التماثيل الصماء لا تملك نبضًا لتواسينا.
منصبك لن يمد يده ليمسح دمعك، ورصيدك المالي لن يربت على كتفك في ليالي الفزع، وكبرياؤك لن يعيد إليك وجهًا خسرته لأنك تأخرت في الاعتذار.
كم من شيء شُيّد ليبقى، في حين كان هناك ما هو أحق بالبقاء، لكنك لم تحافظ عليه؟
قد يقف المرء يومًا محاطًا بكل ما أنجزه، جائعًا للحب، ظمآن للسكينة، يرتعد من الوحدة، في حين تظل تماثيله التي أفنى عمره في نحتها واقفة، تحدق فيه وفي الفراغ بوجوه حجرية باردة وبلاهة منقطعة النظير.
لا تجعل حياتك “جزيرة قيامة” أخرى، العمر أقصر من أن تحرقه في دحرجة حجر لا ينطق، والروح أرق من أن تتغذى على تصفيق الغرباء.
لا بأس أن تنجح وتطمح وتجمع، لكن لا تجعل البناء يلتهم الباني، اترك تماثيلك الوهمية قليلًا لتحتفظ بحديقة روحك الخضراء.
الحجر قد يحتفظ بملامح أردتها أن تبقى لقرون، لكنه أعجز من أن يعيد إليك يومًا واحدًا من عمرك.
مقالات ذات صلة: