علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

العلاج بالأمل (Hope Therapy)

فكرة موجزة

ببساطة شديدة ينظر إلى العلاج المرتكز على الأمل على أنه أحد مداخل العلاج النفسي الموجهة بنظريات علم النفس الإيجابي ونماذجه والمتعلق بأحد أهم مكامن القوة، وفقًا لدليل مكامن القوة والفضائل الإنسانية، يستهدف تنمية قدرة الشخص وتعزيزها على وضع أهداف شخصية بناءة، ورسم مسارات تخطيط هذه الأهداف، وامتلاك الدافعية الداخلية الممكنة له من التغلب على أي عقبات تواجهه في مسار تحقيقه لأهدافه، مع تمتعه بقدر عالٍ من المثابرة والعزيمة والتصميم مع امتلاء تكوينه النفسي بالتفاؤل والاستبشار.

ووفقًا لتصورات تشارلز ريتشارد سنايدر (1985، 1991، 2002) التي أصلها في نظريته عن الأمل (Snyder’s Hope Theory) يعرف الأمل بأنه تركيب نفسي متعدد الأبعاد يتضمن في بنيته ثلاثة مكونات أساسية تتمثل فيما يلي:

  • الأهداف (Goals): يعبر عنها بقدرة الشخص على تحديد أغراض شخصية واضحة وذات قيمة ويمكن تحقيقها.
  • التفكير القائم على المسارات أو السبل (Pathways Thinking): يعبر عنه بقدرة الشخص المدركة على رسم مسارات متعددة وتوليدها لتحقيق هذه الأهداف.
  • التفكير المرتكز على الاقتدار (Agency Thinking): يعبر عنه بامتلاء التكوين النفسي للشخص بالدافعية والاعتقاد بمقدرته على المبادرة بأفعال سلوكية مباشرة، واستدامة تحركه في مسارات تحقيق هذه الأهداف بغض النظر عن العقبات أو التحديات التي من المحتمل أن يواجهها. وعادة ما يطلق على هذا البعد عامل امتلاك القدرة على الفعل الذاتي.

وعلى ذلك يُعرفُ العلاج بالأمل أو العلاج الموجه نحو الأمل بأنه تدخل علاجي يستهدف تحقيق طيب الحياة والهناء فيها وتعزيزه من تقوية التفكير الموجه بالهدف، وتحسين القدرة المُدركة على رسم مسارات تحقيق نواتج مرغوبة، وتعزيز القدرة على المبادرة بدافعية ذاتية داخلية للقيام بأفعال سلوكية لتحقيق الأهداف رغم التحديات والعقبات.

وعادة ما يتضمن العلاج بالأمل في خطط علاج عديد من الاضطرابات النفسية، منها:

  • علاج اضطرابات الاكتئاب والقلق.
  • التعافي من الصدمة.
  • التكيف مع الأمراض المزمنة.
  • الإرشاد التأهيلي.
  • الإرشاد التربوي والمهني.
  • تعزيز الصحة النفسية الإيجابية.

وتتضمن العمليات العلاجية المتعلقة بالعلاج بالأمل ما يلي:

اضغط على الاعلان لو أعجبك
  • تحديد أهداف شخصية بناءة ومفيدة.
  • تجزئة هذه الأهداف إلى خطوات قابلة للتحقيق.
  • توليد مسارات بديلة لتحقيق هذه الأهداف في حالة مواجهة عقبات.
  • تنمية فاعلية الذات والاقتدار الشخصي.
  • التأمل في النجاحات التي حققها الشخص في الماضي لتعزيز الأمل.

خلاصة القول يعد “العلاج بالأمل” (Hope Therapy) تدخلًا نفسيًا يرتكز على نقاط القوة، إذ يعزز قدرة الفرد على السعي نحو أهداف ذات مغزى بتنمية “القدرة على الفعل” (agency) فيما يعبر عنها بالدافعية، و”المسارات” (pathways) فيما يعبر عنه باستراتيجيات تحقيق الأهداف، مما يسهم في تعزيز الصمود النفسي، وطيب العيش، وآليات التكيف الإيجابي.

  • لمزيد عن الأسس النظرية للعلاج بالأمل راجع:

Snyder, C. R. (2002). Hope theory: Rainbows in the mind. Psychological Inquiry, 13(4), 249-275.

العلاج بالأمل: تعريفه وفنياته وفوائده:

العلاج بالأمل مدخل شبه مقنن في العلاج النفسي، صيغ لتنمية دافعية الشخص وتعزيز قدرته على التحمل والصمود، والرضا عن الحياة بتعلميه وضع أهداف حياتية شخصية واضحة، وتطوير استراتيجيات عملية لتحقيق هذه الأهداف.

وتكمن جذور العلاج بالأمل في الإطار المرجعي لعلم النفس الإيجابي وفقًا لتصورات ريتشارد تشارلز سنايدر (C.R. Snyder) الذي يتجاوز فكرة اعتبار الأمل محض رغبة أو أمنية شخصية، وتوصيفه أنه مهارة معرفية يمكن تعلميها وممارستها.

ويستند العلاج بالأمل إلى المكونات المحورية لبنية الأمل وفقًا لمدخل نظرية الأمل، التي ينظر بموجبها إلى الأمل على أنه تركيب نفسي يتضمن ثلاثة أبعاد معرفية – دافعية تتمثل فيما يلي:

  • التفكير الموجه بالأهداف (Goals Thoughts): يعكس توجه الشخص إراديًا نحو تحديد أهداف شخصية واضحة وقابلة للقياس وواقعية، تتوافق وتعكس وتتسق مع قيمه الذاتية في الحياة.
  • التفكير المرتكز على رسم المسارات أو السبل والموجه إليها (Pathways Thinking): يعبر عنه بالقدرة على توليد مسارات عملية متعددة لتحقيق تلك الأهداف والتخطيط لتجنب العقبات المحتملة.
  • التفكير المسند إلى المقدرة أو الاقتدار (Agency Thinking): ويعبر عنه بتوجه الشخص نحو تنمية الطاقة الذهنية وتقويتها وتعزيزها والدافعية والثقة بالذات اللازمة للحفاظ على التركيز وتنفيذ تلك المسارات فيما يمكن التعبير عنه ببعد “الاقتدار الشخصي”.

وتجدر الإشارة إلى أنّ العلاج بالأمل يجمع في بنيته عناصر من العلاج السلوكي المعرفي، والعلاج السردي، والعلاج المسند إلى الحل أو الموجه نحوه، وعلى ذلك تتمثل الفنيات الأساسية للعلاج بالأمل فيما يلي:

  • رسم خرائط الأمل (Hope Mapping): إنشاء مخططات بصرية تحدد الهدف الرئيسي، وتتفرع إلى مسارات بديلة وخطوات أمان متنوعة.
  • إعادة صياغة العقبات (Reframing Obstacles): ممارسة تمارين تستبق العقبات وتتحدى أنماط التفكير السلبية قبل أن تعيق التقدم.
  • تدوين الأمل أو قوائم رصد الأمل (Hope Journaling): التأمل في النجاحات السابقة لجمع بيانات داخلية تثبت قدرتك على تجاوز المواقف الصعبة.

نظرية الأمل: تشارلز ريتشارد سنايدر

* نظرية الأمل (Snyder’s Hope Theory) (تشارلز ريتشارد سنايدر): مقال (باتي مولدر Patty Mulder، 2023) نقله إلى العربية: (محمد السعيد أبو حلاوة، 2024)

يركز المقال الحالي على وصف نظرية الأمل كما صاغها وطورها الاختصاصي النفسي الأمريكي تشارلز ريتشارد سنايدر (Charles Richard Snyder) بما قد يفضي بك إلى فهم سيكولوجية الأمل وكيف يمكنك ترسيخه في تكوينك النفسي.

1-  ما المقصود بنظرية الأمل لسنايدر؟ (What is Snyder’s Hope Theory?)

تشارلز ريتشارد سنايدر اختصاصي نفسي أمريكي (1944–2006) تخصص في دراسات علم النفس الإيجابي وبحوثه في أواخر حياته الأكاديمية. حظى بشهرة وسمعة علمية عالمية نتيجة أعماله العلمية والبحثية والتطبيقية في مجال علم النفس الإكلينيكي، علم نفس الشخصية، وعلم نفس الصحة.

تضمنت نظرياته العلمية في حقبة الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين وصفًا وتفسيرًا لعديد من الاستجابات الإنسانية بدءًا من التغذية الراجعة الشخصية، الحاجة إلى التفرد، ودافعية الأمل.

وأجريت عديد من الدراسات انطلاقًا من الأعمال العلمية لسنايدر لوصف طبيعة العلاقة بين مستويات الأمل والأداء الأكاديمي والرياضي والصحة الجسمية وطيب الحياة والهناء فيها وتفسيرها.

ويستهدف تنمية الأمل وتمكينه في التكوين النفسي للأشخاص إكسابهم نظرة إيجابية مشرقة للحياة، وهذا ما تنتظم بشأنه نظرية الأمل لسنايدر.

2-  المكونات الثلاث لبنية الأمل وفقًا لتصورات سنايدر(Three Components within Snyder’s Hope Theory)

عند التحدث عن نظرية الأمل لسنايدر قد يكون المفيد تعريف كلمة “الأمل” (hope)، ببساطة شديدة يمكن تصور الأمل على أنه “قدرة الشخص على السير في مسارات واضحة تؤدي به إلى الوصول إلى الوجهة التي يبتغيها”، علاوة على أن الأمل “يزود الشخص بالدافعية والطاقة التي تمكنه من الاستمرار في السير في هذه المسارات”.

ويتضمن الأمل وفقًا لتصورات سنايدر ثلاثة عناصر معرفية ووجدانية تتمثل في: الأهداف، المسارات، وحرية الاختيار. وأفاد تشارلز ريتشارد سنايدر أنه يوجد على الأقل ثلاثة مكونات يمكن للناس ربطها بالأمل، تتمثل فيما يلي:

  • تحتاج إلى أن تكون لديك أفكار واضحة ومركزة فيما يتعلق بماذا تريد أو الأهداف التي تريد تحقيقها.
  • يتعين عليك أن تضع استراتيجيات تمكنك من الاقتراب من تحقيق الأهداف التي تريدها وتطورها.
  • يجب أن يكون لديك دافعية وتحمسًا وطاقة داخلية ذاتية تدفعك باتجاه استدامة بذل الجهد والمثابرة والتصميم والتحمل في أثناء انسيابك في مسارات تحقيق أهدافك.

وجدير بالذكر أنه كلما زاد اعتقاد الشخص في قدرته على تحقيق هذه المكونات المذكورة، ازدادت فرصه في الارتقاء بشعوره بالأمل، وعلى ذلك تصور تشارلز ريتشارد سنايدر الأمل من المنظور المعرفي في ضوء أبعاد “التفكير القائم على والموجه برسم المسارات” × التفكير القائم على والموجه بالاعتقاد بالاقتدار والجدارة × امتلاء التكوين النفسي للشخص بالتحمس والدافعية (Pathways and Agency Thinking)، بما يزيد من فرص تحقيقه أهدافه وامتلاك القوة وقوة الإرادة التي توجه سلوكه في إطار ما سماه سنايدر “السلوك الموجه بالهدف” (goal-oriented behaviour)، ومن ثم فإن بنية الأمل دالة للتفاعل بين المكونين الأساسيين التاليين:

أ‌- التفكير في السبل أو المسارات (Pathways thinking):

وتتعلق بقدرة الشخص على التفكير في المسارات والطرق والسبل المختلفة وتكوينها أو تشكيلها وتصورها، التي تنقله من الواقع الحاضر الحالي إلى المستقبل المرغوب. وتتعلق المسارات أو الطرق بتركيز تفكير الشخص على التخطيط لمساراته ورحلته في الحياة وامتلاكه القدرة على القيام بذلك، ويتعلق ذلك بالقدرة المعرفية على توليد السبل والطريق أو إنتاجها، التي تؤدي به إلى تحقيقه لأهدافه.

ب‌- التفكير القائم على الاقتدار (Agency Thinking):

ويشير إلى مستوى “القصد والتعمد” و”الثقة” و”القدرة الإنسانية” على اتباع الشخص وانسيابه تلقائيًا وذاتيًا في ارتياد المسارات والطريق التي تقوده إلى المستقبل المنشود أو السابق التخطيط له في ضوء وحدة السلوك الموجه بالهدف، وعلى ذلك فإن الاعتقاد في القدرة، والدافعية الإيجابية لاتباع والالتزام بالمسار عامل أساسي في هذا البعد ويتعلق ذلك بالقدرة الوجدانية (affective ability).

3-  الانفعال الإيجابي (Positive emotion)

تلعب الأهداف بذاتها دورًا محوريًا في نظرية الأمل لتشارلز ريتشارد سنايدر، وتوصف الأهداف بأنها مرتكزات نظرية الأمل، إذ أنها تحدد الوجهة النهائية التي يبتغيها الشخص لحياته ومساره ووجهته في المستقبل.

من جانب آخر قد يواجه الشخص عقبات في مسار تحقيق أهدافه، وعلى ذلك يجب أن يمتلئ تكوينه النفسي بالتحمس والدافعية الذاتية الداخلية بما يمكنه من المثابرة والتصميم واستدامة بذل الجهد رغم هذه العقبات. وإذا كان العائق صعبًا فإن الحل السهل عن تخلي الشخص عن هدفه، إلا أن بعد “التفكير في المسارات والسبل (Pathways Thinking) كونه أحد مكونات بنية الأمل يقوي توجه الشخص نحو تكوين مسارات بديلة ومتنوعة أو تشكيلها.

والجدير بالإشارة أن استبدال الشخص لأهدافه ربما يكون سهلًا وميسرًا إذا كان يسيطر على تكوينه النفسي والانفعالات الإيجابية، بما يمكنه من تركيز تفكيره في البدائل والمسارات البديلة حالة مواجهته لمتاعب أو عقبات دون أن يلج في دوامة اليأس أو التوقف عن بذل الجهد.

من جانب آخر فإن التفكير في السبل والمسارات البديلة الجديدة ينشط توجه الشخص نحو التفكير المفعم بالاقتدار، ومن ثم التحمس والفاعلية والامتلاء بالدافعية الداخلية الذاتية، مما يزيد من احتمالات وصول الشخص إلى تحقيق أهدافه على نحو أسرع، ومن ثم اعتبار العقبات تحديات وليست حواجز أو موانع.

4-  أسئلة جوهرية في إطار نظرية الأمل (Core questions)

للحصول على بداية واثقة في نظرية الأمل لسنايدر من المفيد أن يطرح الشخص على نفسه الأسئلة التالية:

  • ما الذي يحدث حولي؟
  • إلى أين أريد أن أذهب؟
  • ما الذي يمنعني من الذهاب إلى الوجهة التي أريدها؟

وتمثل هذه الأسئلة ما يمكن تسميته مسارات التفكير النموذجي القائم على تحديد نقطة الانطلاق في مسار الأمل (Pathways Thinking). وللانتقال من التفكير في السبل أو الطرق، إلى التفكير المفعم بالاقتدار والطاقة والدافعية والتحمس (Agency Thinking) على الشخص الاجتهاد في الإجابة عن الأسئلة التالية:

  • ما مكامن قوتي وجوانب تميزي التي يمكن استثمارها لتحقيق هدفي؟
  • ما الذي يتوافر لي في ظروفي الحالية لتمكيني من تحقيق هدفي؟
  • هل سبق لي أن نجحت في مواقف سابقة في الماضي؟ ولماذا؟

وعندما يتمكن الشخص من وضع بدائل وتكوينها للوصول إلى تحقيق هدفه النهائي، من المفيد أيضًا أن يستمر في الاعتقاد في أنه قادر على تحقيق هذه الأهداف بثقة واقتدار الأمر الذي يجعله يحافظ على دافعيته وتحمسه الشخصي.

د . محمد السعيد أبو حلاوة

اختصاصي الصحة النفسية والإرشاد النفسي، كلية التربية جامعة دمنهور