الأكاديمية العليا للنفاق

حصلت في الثانوية العامة على مجموع كبير يفتح لي أبواب أرقى الكليات لكن خبراء أكل العيش نصحوني بالالتحاق بـ”الأكاديمية العليا للنفاق”، مؤكدين لي أن مستقبلها مضمون!
توجّهت إلى المقر، وكان المبنى فخمًا وعلى بوابته لافتة عريضة تقول: “الحقيقة تؤذي وتجيب فقرات، والنفاق يفتح الأبواب ويصنع المعجزات!”.
استوقفني حارس الأمن، وتصفّح أوراقي بنظرة تقييمية، ثم نادي باللاسلكي: “معانا متقدم جديد يا فندم”. ثم أشار لي بالدخول قائلًا: “المقابلات في المبنى الرئيسي على إيدك اليمين”.
دخلت القاعة الرئيسية الفاخرة، حيث يجلس العميد وحوله أعضاء هيئة التدريس. رحّب بي بحرارة لا تناسب شخصًا لا يعرفه، وقال: “سعداء بانضمامك”!، قلت: “بس أنا لسه منجحتش!”، قال: “دي شكليات، إحنا متفائلين!”.
وقبل أن يبدأ الاختبار، وضع أمامي ثلاثة أزرار: أوافق – أؤيد – أؤيد بشدة. قلت: “فين زر لا أوافق؟”، نظر إليَّ العميد باستغراب وقال: “مفيش زر كدا يا ابني، أنت جاي تتعبنا ولا إيه؟”.
ثم فتح الملف وبدأ الاختبار الشفهي بأسئلة سريعة.
“لو قابلت مسؤولًا فاشلًا، تقول له إيه؟”، قلت: “أقوله الحقيقة”، أغلق الملف وقال بأسف: “أول إجابة غلط! الصحيح تقول: معاليك سابق عصرك”.
“طيب لو حضرت ندوة مملة لمسؤول كبير؟”، قلت: “أستأذن وأمشي”، “خطأ! التصرف الصحيح: تصفّق ثلاث مرات وتطلب نسخة من المحاضرة! وتطلب منه يوقع لك على منديل!”.
تداخل أعضاء اللجنة بأسئلة متلاحقة: “مدحت كتابًا لم تقرأه؟ فيلمًا لم تشاهده؟ شخصًا لا تحترمه؟ طبلت لقرار دمر المؤسسة؟ تقدر تمدح مديرك بالنهار وتكتب فيه تقرير بالليل؟”.
كنت أجيب بثبات: “لا، مستحيل!”.
تبادلوا نظرات القلق، ثم قرروا الانتقال إلى الاختبار العملي. أدخلوا رجلًا إلى القاعة وقالوا: “دا أسوأ موظف في المؤسسة، روح امدحه”.
اقتربت منه وقلت: “حضرتك لازم تظبط شغلك، وتطوّر من نفسك شوية”، فجأة، دوّى جرس الإنذار في المبنى كله! صرخ العميد: “تسريب حقيقة في القاعة، طهروا المكان بسرعة! وقفوا الامتحان! المتقدم قال رأيه بصراحة! دي أول مرة تحصل عندنا من سنين!”.
بعد ساعتين من المداولات، خرجت اللجنة ليعلن العميد القرار: “يقبل المذكور مستمعًا فقط، إلى أن يعتاد لسانه على قول ما لا يؤمن به”.
وأضاف: “بصراحة يا ابني مؤهلاتك الحالية تؤهلك تبقى إنسان صادق، ودا ضد لائحة الأكاديمية، وكمان دا مرض ممكن يهدد مستقبل باقي الطلاب.
ولذا لا بد من اجتيازك الدورات الإلزامية التالية قبل القيد:
- مدخل إلى علم التصفيق.
- دبلومة متقدمة في فن تغيير الرأي.
- مقدمة في هز الرأس بخمس زوايا مختلفة.
- مختبر التطبيل الإلكتروني: فن كتابة «منور معاليك» في 200 جروب.
- هندسة المواقف: كيف تكون مع الجميع دون أن تكون مع أحد”.
وفتح العميد درج مكتبه وأخرج شهادة مذهبة ليحفزني وقال: “دي شهادة الدكتوراه لأحد خريجينا، موضوعها: كيف تقول معاليك، سعادتك، وجنابك بخمسين طريقة مختلفة”. ثم أخرج شهادة أخرى بعنوان: “التصفيق قبل انتهاء الخطاب، دراسة تطبيقية”.
قلت بدهشة: “يعني عندكم دراسات عليا كمان؟”، قال بفخر: “إحنا أول أكاديمية تمنح لقب أستاذ كرسي في النفاق التطبيقي”.
ثم أشار إلى رجل عجوز يجلس في الزاوية، لاحظت أنه يبتسم للجميع! قال: “دا عميد الخريجين، أول دفعة الأكاديمية!”. قلت: “ما شاء الله، اشتغل فين دا؟”.
ابتسم الأعضاء وقالوا بصوت واحد: “في الحكومات كلها! دا صاحب النظرية الخالدة: أنا مع الحكومة، أيًا كانت الحكومة”.
وأنا خارج، ناداني العميد، وقال: “لا تيأس، المنافقين الكبار كلهم، ولدوا صادقين!”. خرجت من الأكاديمية وأنا أحمل شهادة “مستمع”.
وفي أثناء فترة التدريب، قررت ألا أعود إلى الأكاديمية، فلم أعد في حاجة للدراسة بها، بعد أن اكتشفت أن المجتمع من حولي ما هو إلا فرع من فروعها.
لكن الدرس الأهم الذي تعلمته: أن أخطر أنواع النفاق ليس أن تقول ما لا تؤمن به، بل أن تعيش في مجتمعٍ يجعلك تخجل من قول ما تؤمن به.
وأدركت أن النفاق ليس محض سلوك فردي، إنه مؤهل العبور الوحيد في زمن الأقنعة! وأن الصادق في زمن الأقنعة ليس جاهلًا بقواعد اللعبة، بل هو الوحيد الذي يرفض أن يلعبها.
صحيح، لم أحصل على شهادة عليا في النفاق، لكنني احتفظت بما هو أثمن: لسانٍ يستطيع أن يقول “لا” حين يصبح قولها آخر ما تبقّى للإنسان من كرامته.
مقالات ذات صلة: