يجب إعطاء أمل وحلم وهمي

سألت أحد الشباب: “عايز تعمل إيه في المستقبل يا حبيبي؟!”، قال لي: “عاوز أبقى إنتربونور، وأعمل الشركة بتاعتي، وأخذت دورة كيف تصبح رائد أعمال ناجح”.
سألته: “شركة بتعمل إيه؟”، قال: “أي حاجة، المهم أعمل شركة وتنجح وتكسب، وأبقى في يوم من الأيام زي إيلون ماسك وستيف جوبز”.
قلت له: “وهل تعرف تفاصيل مسار صناعة ثروة إيلون ماسك أو لديك شبكة علاقاته السرية والعلنية؟ وكيف حصل على المال؟ ومِن مَن؟ وعلاقاته بأجهزة المخابرات ؟ إلخ!
قال: “لا، لكنه شخص ذكي وصاحب رؤية ومجتهد ومغامر، وهذا يكفي للنجاح!”.
قلت له: “هذا لا يكفي، هذا ما يقوله لك الإعلام، لكن الحقيقة غير ذلك، ولن تعلمها، ويخفيها الإعلام، ويخفيها إيلون ماسك نفسه ومن يقف وراءه!”.
في المنظومة الرأسمالية يجب إعطاء أمل وحلم وهمي لملايين الفقراء، كي يستطيع الأقلية من فاحشي الثراء أن يسيطروا عليهم ويتحكموا فيهم ويحركوهم ويمتصوا دماءهم، هذا الحلم الوهمي له أنواع متعددة، وفق مستوى التعليم.
لكن كلها أحلام تعتمد على الترويج لقصص نجاح فردية والمبالغة فيها، مقابل حقائق وأرقام حقيقية تقول إن قصص النجاح هذه لا تتعدى واحد في المليون، في حين يتبقى بقية المليون في الحلقة المفرغة من العمل ليل نهار ويعيش فقيرًا ويموت فقيرًا.
حين تحاول إقناع فقير من هؤلاء بالخروج من هذا الوهم والبحث عن الواقع والحقيقة والمنطق، ينطلق ويقول لك قصصًا: “أعرف فلان عمل كذا، سمعت عن فلان نجح في كذا”، وينسى أو يتناسى الملايين من الضحايا الذين ساروا في طريق فلان نفسه، ولم يحققوا أي شيء غير التعاسة والفقر.
من أشهر هذه الأحلام الوهمية التي يسوقونها للشباب:
- عاوز أطلع رائد أعمال، انتربرونور (Entrepreneur)، رأس مال مغامر، مستثمر، تأسيس شركة، وتنجح الشركة وأصبح مليونير، رغم أن 90% ممن يسير في هذا الطريق يفلس.
- عاوز أطلع لاعب كرة أو رياضي مشهور، وأكون زي محمد صلاح، رغم أن 99% ممن سار في هذا الطريق انتهى به المسار إلى لعب الكرة الشراب في الشارع.
- عاوز أطلع مغني أو ممثل أو راقصة أو مؤثر مشهور على مواقع التواصل الاجتماعي أقدم محتوى يضحك أو يثير الغرائز لجمع أكبر عدد من المتابعين، رغم أن 99% من الذين ساروا في هذا المسار واعتمدوا على التفاهة والحرام، تنتهي حياتهم في الفشل أو السجن والجريمة أو التعاسة والإفلاس أو إدمان المخدرات.
أتمنى أن يفيق الشباب من الأوهام ومخدرات الإعلام، التي تبيعها لهم المنظومة الرأسمالية، كي يستمر في تقبل الظلم ويسير في القطيع يصفق للظلم والظالمين، تحت شعار: ممكن في يوم من الأيام الحظ يضرب!
من ناحية أخرى، أنصح بقراءة كتاب (Credit to the Nation
Eastern European Jewish Immigrant Bankers and the Shaping of American Finance, 1873–1930).
و هو يحكي عن كيف تحول اليهود من فقراء في القرن التاسع عشر إلى أغنياء يسيطرون على المال والبنوك في القرن العشرين.
يقول إن الموضوع بدأ بهجرة اليهود إلى أمريكا هربًا من فقر أوروبا، لكن حين وصلوا إلى أمريكا، كانت البنوك الأمريكية ترفض إقراض اليهود، لأنهم فقراء، فضلًا عن تاريخهم في الخداع والشك فيهم.
بدأ اليهود في عمل شبكة تساعد بعضها، يقرضون المال لبعضهم بعضًا دون أي ضمانات ولا ربا ولا أرباح ولا فوائد، فقط بضمان القرابة أو أنه يهودي مثله.
بالتدريج تجمعت أموال ونجحت مشاريعهم لأنهم لا يدخلون في الإقراض البنكي بالربا، لكن حين يقدمون قروضًا لغير اليهود، تكون بالربا والفوائد البنكية.
بالتدريج تجمعت ثروات كبيرة لدى هذه المجموعات من اليهود، ودخلوا بها سوق العقارات في نيويورك، وبالتدريج بدأ استعمال التمويل لليهود دون ربا في مشاريع كثيرة.
يعني سر تجمع الثروة في يد اليهود في آخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين أنهم –وحتى اليوم– يساعدون بعضهم بصرف النظر عن القومية والجنسية وجواز السفر، تعاون عابر للحدود والقارات والقوميات، ويقرضون بعضهم دون ربا، في حين أن بقية العالم يعيش في قروض وربا وفوائد بنكية تؤدي إلى إفلاس 99% من المشاريع.
أتمنى أن يتعلم المسلمون هذا الدرس، المسلمون الذين تقسموا إلى 52 دولة، يتصارعون بدلًا من التعاون.
ريادة الأعمال والنجاح ليست مجهودًا شخصيًا أو عبقرية مفاجئة، إنها تعاون وتمويل مجموعات من البشر.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا