مقالات

قبل الاصطدام الأخير

في ليلة شتوية ساكنة من أواخر عام 1972، كانت طائرة ركاب عملاقة تطير بنعومة فوق مستنقعات فلوريدا، الأضواء تلوح في الأفق أسفلهم كأن المدينة قد أعدت مأدبة لاستقبالهم والمحركات تعزف لحنها الرتيب المطمئن.

الطقس صحو تمامًا، وفي قمرة القيادة يجلس ثلاثة من أمهر طياري الشركة. المدرج على مسافة دقائق وكل شيء ينبئ بنهاية كلاسيكية لرحلة عادية تمامًا.

ثمة استثناء واحد بسيط عكر صفو الهبوط العادي، مصباح صغير بحجم عملة معدنية، لا يتجاوز ثمنه بضعة دولارات، قرر ألا يضيء. مصباح وظيفته الوحيدة في هذا الطائر الحديدي أن يخبر قائده أن عجلة الهبوط قد تدلت واستقرت في مكانها.

هنا، تحولت قمرة القيادة إلى الانتباه الكامل لهذا المصباح، القائد، ومساعده، ومهندس الطيران، ثلاثة عقول فذة، دربت لسنوات على ترويض مئات الأطنان من المعدن المحلق، تقلص عالمها فجأة ليصبح في حجم هذه اللمبة.

لقد انحصر وعي الطاقم بالكامل في فحص المصباح الصغير لمعرفة هل هو محترق أم أن العجلات لم تنزل فعلًا. اختفت لوحة العدادات الضخمة من وعيهم وتحولت إلى محض خلفية صامتة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

في أثناء انشغال القائد، اتكأ دون قصد على عصا التحكم بقوة خفيفة، مما أدى إلى فصل نظام تثبيت الارتفاع تلقائيًا وتحول الطائرة إلى هبوط تدريجي صامت بمعدل 200 قدم في الدقيقة، في أثناء الهبوط السريع، أصدر جهاز التنبيه في الكابينة صافرة تحذيرية صوتية تفيد بنزول الطائرة عن الارتفاع المحدد.

العجيب أن لم يستجب أحد! الطائرة تقترب الأرض، بوصة تلو أخرى، قدمًا بعد قدم. أجهزة التحذير تصرخ في الخلفية، عداد الارتفاع يقرأ الكارثة بوضوح، لكن شيئًا شديد الغرابة كان يحدث داخل التلافيف الرمادية لأدمغة الطيارين.

علماء الإدراك العصبي يعرفون هذه الحالة المرعبة جيدًا، ويطلقون عليها اسم “الاعتياد” (Habituation). لقد اعتاد الدماغ على أصوات الكابينة الروتينية وفلتر الصافرة، معتبرًا إياها مثيرًا غير مهم وسط حالة الإجهاد العقلي والتركيز الشديد على أشياء أخرى.

يحدث ذلك حين يستمر المنبه طويلًا، أو حين يتشبث العقل بأمور يعتقد أنها أهم فيبدأ الدماغ في عملية “مونتاج” قاسية، يحذف كل ما عدا ما قرر الاهتمام به من شاشة الوعي.

في اللحظات الأولى لأي مشكلة، ينتفض جزء مهم من الدماغ “اللوزة الدماغية” وتعلن حالة الطوارئ، لكن إذا استمر الإنذار يقرع دون أن تحدث المشكلة الكبيرة يعيد العقل التقييم، ويتدخل جزء آخر من المخ يسمى “المهاد” (Thalamus) ليخفض مرور هذه الإشارات العصبية إلى القشرة المخية.

الخطر يقف أمام الشخص، عيناه مفتوحتان وتريان الخطر، لكن الوعي أصيب بالعمى ولم يعد يسجله. هنالك يضيق الواقع حتى يصبح في اتساع ثقب إبرة. هكذا يتحول الإنذار المتكرر بمرور الوقت إلى محض قطعة ديكور مضيء لا يلحظه، العطل هنا لم يصب المحركات لكنه أصاب الإنسان نفسه.

في المشهد المذكور وقبل الارتطام بثوانٍ معدودة، رفع مساعد الطيار عينيه مصادفة نحو عداد الارتفاع، اتسعت حدقتاه وهو يهمس في رعب: “ألسنا ما زلنا على ارتفاع ألفي قدم؟!”، السؤال كان دقيقًا، لكنه جاء متأخرًا جدًا. بعد ثوانٍ اصطدمت الطائرة بالمستنقع بسرعة تزيد عن مائتي ميل في الساعة، وانتهت حياة مائة إنسان!

المفارقة أن التقارير بعد ذلك أثبتت أن عجلات الهبوط لم تكن معطلة قط، لقد كانت قابعة في مكانها الصحيح بانتظار ملامسة المدرج، المصباح التافه الذي لا يساوي بضعة سنتات هو فقط ما كان قد احترق.  حادثة مؤلمة وقعت لأن الجميع ظلوا يراقبون لمبة معطوبة، في حين أن الأرض تقترب.

هذه الظاهرة تحدث لأغلبنا باستمرار وعلى نحو متكرر، ربما لم نلحظها فقط لأننا لا نقود طائرات عملاقة قد تسقط إذا تشتت انتباهنا لدقائق.

كم من ضوء أحمر يومض أو جرس يصرخ، تراه وتسمعه في الدقائق الأولى ضخمًا، مفزعًا، ثم يتلاشى. ليس لأن التيار قد انقطع عنه لكن لأن عقلك قد اتخذ قرارًا بأنه لم يعد يستحق الانتباه.

العقل البشري كائن مقتصد، يكره إهدار الطاقة، لا يمكنه العيش في حالة استنفار عصبي دائم. ولو استجاب لكل ومضة ضوء ولكل ذبذبة صوت لاحترقت دوائره في غضون ساعات.

هنا يتدخل نظامه الذكي ليضبط الأمر، لكنه للأسف قد يتحول إلى قـ.اتل صامت دون أن تشعر، الفعل المكرر يسحب تدريجيًا من عهدة “الوعي” المباشر ليلقى بإهمال في قبو مظلم عميق مسؤول عن الحركات الآلية اللاإرادية، إنها حيلته الأساسية لتوفير الطاقة!

تقود سيارتك في الطريق المعتاد، وفجأة تجد نفسك أمام باب بيتك، دون أن تملك أي ذكرى واضحة عن إشارات المرور أو المنعطفات التي تجاوزتها. الجسد كان يقود ببراعة طيار آلي، في حين أن الوعي كان يحلق في مكان آخر بعيد.

هذه الحالة نعمة لا تقدر بثمن في المهام الرتيبة التي ينبغي أن تمر. كذلك في مواجهة الأوجاع والأحزان والمخاوف التي يصطحبها المرء وبها تتحقق القاعدة الشهيرة “كل مرٍّ سيمر”، لكنها تحمل وجهًا مخيفًا حين تتجاوز الجسد لتبتلع “المعاني” وتطمس “الإنذارات” وتمحو “الرسائل” الربانية!

نهبط في صمت، ونقترب من الارتطام، في حين أن وعينا منشغل تمامًا بلمبة محترقة لا قيمة لها لأن العقل والقلب تمرسا في لعبة الاعتياد.

في البداية تكون أجهزة الاستشعار الروحية في أعلى درجات يقظتها. ترتعش حواسك وأنت تمشي في جنازة. يضطرب نبضك حين يُحمل شاب في مثل عمرك أو أصغر على الأكتاف ليوارى في التراب.

تتسمر طويلًا أمام المرآة تتأمل أول شعرة بيضاء غزت مفرقك، كأنها النذير. تعود من المقابر بقلب غير القلب، ووعي حاد يدرك تفاهة كل شيء.

لكن العقل كالعادة يفعل ما يجيد فعله دائمًا: يعتاد، يطفئ حالة الطوارئ. تمر الجنازة الثانية فتتباطأ خطواتك قليلًا، ثم الثالثة فتكتفي بنظرة عابرة.

ثم تندمج سيارات الإسعاف بصافراتها المزعجة في سيمفونية الضوضاء المعتادة للمدينة، ويتحول خبر الموت المفجع على شاشة الهاتف إلى محض إشعار آخر نمرره بلمسة لا مبالية من الإبهام، لنرى ما بعده.

لقد دخلت الروح مرحلة “العمى الإدراكي”. ليس شرطًا أن تكون التنبيهات مؤلمة محزنة؛ القرآن يمتليء بعديد من التنبيهات، وحدة بنائه الـ”آيات”. والآية في جذرها اللغوي والوجودي ليست محض جملة تتلى بحناجر مرتلة،  هي “علامة”،  إشارة، مصباح شديد الإضاءة يومض في لوحة قيادة حياتك.

بل إن كل صباح ترد فيه إليك روحك وتستيقظ هو آية، كما كل نعش يمر بجوارك عظة وتذكرة. كل وخزة ألم تذكرك بهشاشة هذا الجسد الذي تظنه حصنًا حصينًا علامة أخرى وتذكرة، وكل بلاء كان على وشك أن ينزل بك ثم انحرف عنك بمليمترات آية.

الكارثة أن تتحول هذه الآيات إلى “خلفية” بصرية وصوتية مألوفة. أن يظل المصباح يومض بتكرار، في حين تُسقِط أنت وجوده من شاشة انتباهك. أنت لا تنكر وجوده، أنت فقط لم تعد تراه.

لهذا كان القرآن دوما يطرق على هذا العصب بانتظام، ويكرر بصيغ تحمل طابع الاستنكار: ﴿أفلا يتفكّرون﴾، ﴿أفلا يتذكّرون﴾، ﴿أفلا يبصرون﴾.

الرسائل لا تنقطع، والإنذارات لا تصمت، لكن الإنسان بارع في تجاهل شاشة التنبيهات، والتركيز فقط على التفاهات.

كثير منا يشبه طاقم تلك الطائرة المنكوبة، نحرق أعمارنا وأعصابنا في التحديق في مصباح معطوب؛ صفقة خاسرة،  خصومة تافهة، منصب زائل، أزمة عابرة، هم دنيوي لا تتجاوز قيمته لحظة من أعمارنا!

ننفق كل رصيدنا من الانتباه على هذه اللمبة المحترقة، في حين أن وعينا مطلي بالعمى عن حقيقة أننا نسير بسرعة نحو النهاية الحتمية.

هنا تتجلى قيمة العبادة. لم تشرع الصلاة لأن ربنا جل شأنه في حاجة إلى ركعاتنا، لقد شرعت لأن القلب يحتاج إلى يد تنتشله عدة مرات كل يوم من هذا التخدير البطيء، العبادة المتكررة أشبه بجهاز الإنذار الذي يصرخ في وعيك ليهز كابينة القيادة.

يأتي الأذان ليقطع عليك ضجيج الحياة الوهمي. وتأتي الجمعة بعد أسبوع من الركض العبثي لتوقظ ما تخدر فيك. ويأتي رمضان ليغير إيقاع العام بأكمله.

والمرض، الفقد، الابتلاء، كلها رسائل مشفرة تحمل نفس المعنى، لا تركز مع المصباح التافه حتى تعتاده، ارفع رأسك وانظر إلى عداد الارتفاع.

أخطر ما في الاعتياد الإدراكي والروحي، أنه لا يدفعك لإنكار الحقيقة لكن يجعلك تتوقف تمامًا عن “الإحساس” بها. تمامًا كما لم ير طاقم الطائرة المحترف الأرض وهي تقترب.

المؤمن الحق لا يرتعد من الإنذارات في حياته، هو يرتعد من فكرة أن يعتادها حتى تفقد حرارتها.

وتلك الطائرة لم يسقطها المصباح المحترق، ما أسقطها أن ثلاثة رجال محترفين توقفوا عن رؤية ما كان يصرخ أمامهم.

والروح أيضًا، لا يهزمها مثل يوم تصبح فيه الآيات مألوفة كأثاث البيت، تمر بها كل صباح ولا ترفع إليها رأسها. أن تخفت أصوات الإنذار، أو أن تبقى تصرخ، في حين يصبح الصمت داخلنا أعلى منها والقلب قد اعتاد الوميض.

قد لا يكون السؤال يومًا: كم رسالة وصلتك؟ لكن كم رسالة ظلت قادرة على أن تهز قلبك وعلى أن تنبهك قبل الاصطدام الأخير؟!

مقالات ذات صلة:

الإنسان الملول

الوعي السهل

سوء التغذية الروحية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. محمد علي يوسف

‏‏كاتب وطبيب أسنان‏