فن وأدب - مقالاتمقالات

“رسالة الخلود” رحلة العقل المسلم في سماء الذات محمد إقبال

حين يصعد شاعر مريض إلى السماء بصحبة الرومي ليعيد تعريف ما يعنيه أن تكون إنسانًا مسلمًا الرجل الذي أطلق عليه لقب "شاعر الشرق" وكتب بالفارسية عن النهضة الإسلامية وهو يحتضر

البداية: رجل يكتب رسالة ويعرف أنه سيموت قريبًا

سيالكوت البنجاب، الهند المستعمرة، عام 1932.

رجل في الخامسة والخمسين من عمره، جسده يتداعى، المرض لم يتركه منذ سنوات، ويعرف في قرارة نفسه أن ما تبقى من عمره لن يطول.

لكنه يجلس ويكتب، بالفارسية، على وزن المثنوي الذي اشتهر به جلال الدين الرومي قبل سبعة قرون، يكتب عن رحلة في السماء، عن مقابلات مع أرواح العظماء، عن سؤال لم يتوقف عن مطاردته طوال حياته: من أنت أيها الإنسان المسلم؟ وما الذي تستطيع أن تكون؟

وحين ينتهي، يضع الكتاب ويسميه “جاويد نامه”؛ رسالة الخلود، وبعد ست سنوات يموت، لكن الكتاب بقي، ولا يزال يقرأ في عشرات اللغات، لأن الأسئلة التي طرحها لم تجب بعد.

الرجل قبل الكتاب: ابن التاجر الفقير الذي أصبح صوت أمة

ولد محمد إقبال في التاسع من نوفمبر عام 1877 في سيالكوت، مدينة صغيرة في البنجاب كانت تابعة للحكم البريطاني.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

عائلته من التجار المتدينين، والده رجل بسيط لكنه حرص على تعليم ابنه في الكتّاب ثم في المدرسة، وفي المدرسة وجد الابن ما لم يتوقعه: أستاذًا يسمى مير حسن رأى فيه شيئًا غير عادي، وأعطاه وقته وعنايته.

وانتقل إقبال إلى لاهور، ودرس في الكلية الحكومية وتفوق، وبدأ اسمه يذكر في مجالس الشعر. ثم في عام 1905 سافر إلى أوروبا، وهذه الرحلة غيّرت كل شيء.

ثلاث سنوات في أوروبا: السحر والصدمة في آن واحد

درس إقبال في كلية ترينيتي بجامعة كامبريدج، ثم انتقل إلى ألمانيا وحصل على الدكتوراه من ميونيخ عن أطروحة في تطور الميتافيزيقا الفارسية. واكتشف في أوروبا شيئين في آن واحد: أفكارًا عميقة وعالمًا مشوّهًا.

قرأ نيتشه وكانط وهيغل وبرغسون، وشعر بإلهام حقيقي من فكرة “الإرادة للقوة” عند نيتشه، ومن “الحدس” عند برغسون، ومن “الجدل التاريخي” عند هيغل. لكنه رأى أيضًا الوجه الآخر: استعمار يسرق الشعوب باسم “التحضر،” ورأسمالية تحوّل الإنسان إلى ترس في آلة، وقومية تصنع الحروب وتبرّرها بالعرق والدم.

وعاد إلى الهند بيقين واحد: أوروبا تملك الطاقة لكنها فقدت الروح، والشرق يملك الروح لكنه فقد الطاقة، ومهمة جيله هي إعادة التركيب.

لماذا الفارسية؟ ولماذا الرومي؟

حين قرر إقبال كتابة رسالة الخلود، اختار لغةً وشكلًا محددين: الفارسية على وزن المثنوي،

هذا الاختيار لم يكن جماليًا فحسب، كان سياسيًا وثقافيًا.

الفارسية كانت اللغة التي وحّدت الحضارة الإسلامية في آسيا لقرون، من نيسابور إلى دلهي إلى إسطنبول، كانت الفارسية لغة العلم والفن والتصوف، باختيارها كان إقبال يرفض ضمنًا فكرة الاستعمار الثقافي التي تقول إن اللغة الإنجليزية هي لغة التقدم.

وباختيار وزن المثنوي، كان يضع نفسه في سلسلة الرومي، يقول: أنا وارث هذا التراث، لكنني أعيد كتابته لعصر مختلف.

والرومي نفسه في الكتاب ليس محض شخصية رمزية، هو المرشد الذي يصاحب إقبال في رحلته السماوية، وهذا الاختيار يحمل معنى أعمق: إقبال لا يريد مرشدًا من الفقهاء أصحاب الفتاوى الجاهزة، يريد مرشدًا جمع بين العشق والعقل، بين الشريعة والحقيقة، وكان الرومي هذا الجمع بعينه.

ما رسالة الخلود؟ رحلة في سبع سموات وما ورائها

الكتاب قصيدة شعرية طويلة، لكنها قصيدة لها بنية فلسفية محكمة.

إقبال يسمّي نفسه “زنده رود”: التيار المليء بالحياة، ويصطحبه الرومي في رحلة عبر الأفلاك السبعة، كل فلك يمثل مرحلة في تطور الوعي الإنساني، وفي كل فلك يلتقيان بأرواح شخصيات تاريخية ممن تركوا أثرًا في الفكر الإنساني.

القمر: مرحلة اكتشاف الذات، الإنسان يدرك لأول مرة أنه موجود وله قيمة خاصة.

عطارد: مرحلة العقل والمعرفة، لكن العقل وحده لا يكفي كما تثبت حضارة استعمرت الشعوب وهي تحمل كتب الفلسفة في يدها.

الزهرة: مرحلة الحب الكوني، الحب الذي يمنح الذات طاقتها الحقيقية لتتجاوز حدودها.

المريخ: مرحلة القوة والفعل، لكن القوة بلا حكمة طغيان.

المشتري: مرحلة العدل الكوني، الحضارة التي لا تقوم على العدل تنهار من الداخل.

زحل: مرحلة الزمن والخلود، أين يكمن الخلود الحقيقي؟ في الروح؟ في الأثر؟ في الأمة التي تستيقظ؟

وما وراء كل هذا: المواجهة مع الذات الإلهية، ولحظة يصمت فيها الكلام لأن ما يحدث يتجاوز اللغة.

الحلاج: روح تسكن في جسد الكتاب

من أبرز الشخصيات التي يلتقي بها إقبال في رحلته منصور الحلاج، الصوفي الذي قتل في عام 922 ميلادي بعد أن قال “أنا الحق” وصلب. هذا الاختيار ليس عبثيًا.

الحلاج عند إقبال نموذج الذات التي أبت أن تسكت، التي قالت الحقيقة حتى حين كان الصمت أكثر أمانًا، التي فضّلت الموت على الخيانة لما تعرفه.

وإقبال يقدّم الحلاج ليس ضحية ولا شهيدًا فقط، بل مثال على إنسان حقق ما يسعى إليه إقبال: الذات التي تبلغ كمالها بأن تصدح بالحق في وجه القوة.

السؤال الذي يتسرب من هذا الاختيار: هل كان إقبال نفسه يشعر بأنه أيضًا يقول حقيقة لا يريد العالم سماعها؟ حقيقة أن المسلم قادر على استعادة عظمته إذا آمن بذاته بدل أن يهرول خلف أنصاف الحلول الاستعمارية؟

الذات: الفكرة التي بنى عليها إقبال كل شيء

الخودي، الذات، هذه الكلمة هي مفتاح كل فلسفة إقبال.

في عام 1915 نشر “أسرار الخودي” أسرار الذات، وكانت ثورة، لأنه قال فيها بوضوح: الذات الإنسانية ليست شيئًا يجب أن يفنى ويذاب في اللانهاية، بل شيء يجب أن يُقوّى ويُبنى ويُنمّى.

وهذا كان في مواجهة مباشرة مع تيار صوفي سائد كان يقول: الغاية القصوى هي الفناء في الله، أن تذوب وتختفي.

إقبال يقول شيئًا مختلفًا تمامًا: الغاية أن تكون أكثر ما يمكنك أن تكونه، أن تحقق ذاتك لا أن تمحوها، لأن الله خلقك خليفةً له في الأرض، وخليفة الله لا يمحو نفسه، يبني ويفعل ويغير.

وفي رسالة الخلود يطوّر هذه الفكرة إلى ذروتها: الإنسان الذي يحقق ذاته الكاملة لا يموت، يخلد، ليس جسدًا بل فكرة، ليس دمًا بل أثرًا.

أين التقى نيتشه والرومي في عقل إقبال؟

واحدة من أكثر الجوانب إثارة في عقل إقبال هي كيف جمع شيئين يبدوان متضادين؛ نيتشه الأوروبي الذي قال إن الإنسان يجب أن يتجاوز نفسه، أن يكسر كل ما يقيده، أن يكون “الإنسان المتفوق” الذي لا يخضع لأي سلطة خارجية، والرومي الصوفي الإسلامي الذي قال إن الحب الإلهي هو المحرك الأساسي للوجود، وأن الإنسان يجد كماله في علاقته مع الله لا في انفصاله عنه.

كيف يجمع بين هذين؟

إقبال يقول: الفرق ليس في الهدف بل في الطريق، نيتشه رأى الدين عائقًا، وإقبال يرى الدين الحقيقي محرّكًا، الدين الذي يخمد طموح الإنسان ويشل فعله هو دين مشوه، والدين الذي يلهب الذات ويدفعها لبناء الحضارة هو الدين الحقيقي.

فالذات عند إقبال لا تتحقق ضد الله، تتحقق عن طريقه.

سيالكوت ولاهور ولندن وبرلين: عقل يتشكّل من كل اتجاه

إقبال درس في كامبريدج الفلسفة البريطانية، ودكتوراه من ميونيخ في الميتافيزيقا الفارسية، وقرأ الفلسفة الألمانية من كانط إلى نيتشه، وحفظ المثنوي في صغره، وتشرّب الشعر الفارسي الكلاسيكي من رودكي إلى سعدي إلى حافظ. هذا المزيج غير العادي هو ما جعل إقبال شخصية لا مثيل لها في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث.

لم يكن عالمًا دينيًا يفكّر في حدود التراث فقط، ولم يكن متغربًا يقلّد الغرب ويقدّمه كحل، كان حالة ثالثة: إنسان يجلس في تقاطع حضارات ويحاول أن يستخلص منها شيئًا جديدًا، وهذا بالضبط ما تحاول رسالة الخلود أن تجسّده: رحلة عبر الثقافات والعصور كلها لاستخلاص ما هو أعمق من كل ثقافة وعصر.

السياق التاريخي: العالم الإسلامي ينهار والاستعمار يسود

حين كتب إقبال رسالة الخلود عام 1932، كان العالم الإسلامي في أشد لحظاته انكسارًا. الدولة العثمانية انهارت عام 1922، والخلافة التي كانت رمزًا للوحدة الإسلامية ألغاها مصطفى كمال عام 1924، وإنجلترا وفرنسا تتقاسمان العالم العربي، والاستعمار لا يكتفي بالأرض بل يصادر الهوية ويعيد تعريف التاريخ. وفي الهند ذاتها، كان المسلمون في موقع دفاعي مزدوج: ضد الاستعمار البريطاني من خارج، وفي مواجهة أسئلة الهوية من داخل.

في هذا الجو كتب إقبال قصيدته السماوية، ولم تكن رحلة هروب من الواقع، كانت رحلة عودة إليه من ارتفاع مختلف، الذي يرى من السماء يرى ما لا يُرى من على الأرض.

ما بين السطور

الكتاب يحمل طبقات خفية أعمق مما يبدو على السطح.

الأول: أن نقد الصوفية السلبية مخبّأ في قلب عمل صوفي الشكل، إقبال يقدّم رحلة صوفية ويستخدم أدوات الصوفية: المثنوي، والمرشد، والمعراج، لكن رسالته الحقيقية هي رفض التصوف الذي يعلّم الناس الزهد والانسحاب، الصوفي الحقيقي عنده هو من يحوّل عشقه لله إلى طاقة يبني بها في الأرض، لا من يجلس في زاويته يسبّح.

الثاني: أن الكتاب يسائل مفهوم القدر دون أن ينفيه، إقبال يؤمن بالقدر، لكنه يرفض أن يكون القدر عذرًا للكسل، الذات القوية تصنع قدرها بالفعل، والذات الضعيفة تنتظر قدرها بالسكون، وهذا الفرق هو الفرق بين الحضارة التي تصعد والحضارة التي تغرق.

الثالث: السؤال عن العلاقة بين الخاص والعام، إقبال يخاطب المسلم فردًا ويقول له: قوّ ذاتك، لكنه يخاطبه أيضًا عضوًا في أمة، الذات القوية لا تنعزل، تنخرط في الجماعة وتقويها، والمعادلة التي يبحث عنها إقبال هي كيف تبني ذاتًا قوية دون أن تنتج أنانية، وكيف تبني جماعة قوية دون أن تسحق الفرد.

“زنده رود”: أن يختار شاعر اسمًا لنفسه

إقبال في الكتاب لا يسمّي نفسه باسمه الحقيقي، يسمّي نفسه “زنده رود”: التيار المليء بالحياة. هذا الاختيار يحمل معنى أكثر من اسم.

التيار لا يقف، لا يركد، لا يقاوم على المدى الطويل، يشق طريقه عبر الصخور لا لأنه أقوى منها، بل لأنه لا يتوقف، وإقبال في اختياره لهذا الاسم كان يصف ليس فقط من يريد أن يكون، بل ما يريد للمسلم أن يكون: كائن من الحيوية والحركة، لا كائن من الانتظار والتوكل السلبي.

أثر الكتاب: من لاهور إلى ترجمات في عشرين لغة

رسالة الخلود لم تكن موجّهة للمتخصصين فقط، لكنها ليست أيضًا قراءة سهلة. لغتها الفارسية المكثفة تحتاج تدريبًا، وأبعادها الفلسفية تحتاج معرفة بالتراث الفلسفي من أرسطو إلى نيتشه، وشخصياتها التاريخية تحتاج إحاطة بتاريخ الفكر الإسلامي.

ومع ذلك ترجمت إلى الإنجليزية والعربية والألمانية والتركية وعشرات اللغات الأخرى، وما زالت تدرس في الجامعات الباكستانية والإيرانية وتقرأ في حلقات الدراسة في عديد من الدول،

لماذا؟ لأن السؤال الذي يطرحه إقبال لا يتقادم: كيف تكون إنسانًا كاملًا في عالم يريدك أن تكون رقمًا في منظومة ما؟

الخاتمة: شاعر يكتب لمن لم يولدوا بعد

مات إقبال في عام 1938، وكانت باكستان التي حلم بها لم تولد بعد، ولدت بعد وفاته بتسع سنوات، ويقال إنه “الأب الروحي لباكستان،” وهذا صحيح، لكنه يقلّل من عظمته.

إقبال لم يكن يحلم بدولة، كان يحلم بإنسان، بإنسان مسلم يؤمن بذاته، ويتحرك، ويبني، ولا يخشى الحديث مع أرواح التاريخ بلغة الندّ.

ورسالة الخلود هي أفضل وثيقة تصوّر هذا الحلم، لأنها لا تقول “يجب أن تكون كذا،” بل تصطحبك في رحلة تجعلك ترى بنفسك لماذا يجب.

الخلود الذي يتحدث عنه إقبال ليس وعدًا دينيًا بالجنة فقط، هو دعوة لأن تترك خلفك شيئًا يستحق أن يبقى، فكرة، عملًا، إنسانًا تعلّمه، أو حتى سؤالًا تطرحه ولا تترك الجواب يقفل.

والكتاب نفسه دليل إقبال على صحة ما يقوله: رجل مريض في بلد مستعمر كتب بلغة تكاد تنسى، وبقيت كلماته تقرأ بعد قرن.

والآن السؤال لك أنت:

إقبال يقول إن الذات الإنسانية لا يجب أن تفنى بل أن تُقوّى، وهذا في مواجهة مباشرة مع التصوف التقليدي الذي يرى الفناء في الله غاية، فأيهما أقرب إلى الفطرة الإنسانية: أن تتجاوز ذاتك وتذوب في شيء أكبر، أم أن تبلغ كمالك الفردي وتحقق ذاتك بأقصى ما تستطيع؟ وهل هذان الطريقان حقًا متضادان؟

مقالات ذات صلة:

كاسيرر – هيدجر: مناظرة دافوس

“اللمع في التصوف” للسراج الطوسي

الاستعمار الفرنسي ومعركة الوعي في إفريقيا

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ . خالد حسين

كاتب و روائي