أسرة وطفل - مقالاتمقالات

الفضيلة التي تحرسها البصيرة

قال أحدهم: “مضى عليّ زمان كنت أقول فيه لمن أنصحهم: ربوا أبناءكم على الخير والطهر، واليوم صرت أردد مع القائل: ستقنع الغنم بالمذهب النباتي، لكن الذئاب لها رأي آخر. ألا فلتربوا أبناءكم على كثير من الشر، لا ليكونوا أشرارًا، لكن حتى يتقوا من الناس شر الناس”.

يقول الشاعر الفارس أبو فراس الحمداني:

عرفت الشرّ لا للشرّ لكن لتوقّيه   ومن لم يعرف الشرّ من الخير يقع فيه

لعل هذه الكلمات تختصر جانبًا مهمًا من الحكمة التربوية التي يغفل عنها كثير من الناس. فالتربية ليست محض تلقين للفضائل، ولا هي عملية تزيين للعالم في أعين الأبناء حتى يظنوه أكثر نقاء مما هو عليه.

إن من حق الطفل أن يتعلم الصدق والأمانة والرحمة، لكن من حقه أيضًا أن يعرف أن في الحياة من يكذب ويخون ويستغل ويؤذي. فكما نعلم أبناءنا قواعد السلامة عند عبور الطريق مع أننا لا نربيهم على الحوادث، ينبغي أن نعلمهم كيف يتعاملون مع الشر مع أننا لا نربيهم عليه.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

فالحياة لا ترحم الساذج مهما كانت طهارة قلبه، ولا تعفيه براءته من دفع أثمان جهله بطبائع الناس، “فالقانون لا يحمي المغفلين”.

لقد استقر في أذهان كثيرين أن التربية تعني بناء الجانب الإيجابي فقط، حتى أصبح الحديث عن الشر وأساليبه كأنه خروج عن مقاصد التربية أو انتقاص من نقاء النفوس. والحقيقة أن الفضيلة التي لا تدرك ما يهددها تظل فضيلة مكشوفة الظهر.

فالإنسان لا يخدع لأنه شرير، بل يخدع أحيانًا لأنه لا يتصور أن غيره يمكن أن يبلغ ذلك القدر من الخداع. ولا يستغل لأنه سيئ النية، بل لأنه لم يتعلم كيف يميز بين النصح الصادق والتلاعب المقنع.

لهذا فإن تربية الأبناء على الثقة المطلقة بالناس، أو على تصور أن الجميع يتحركون بالدوافع النبيلة نفسها، لا تبني شخصيات سوية بقدر ما تصنع أفرادًا يدخلون الحياة بأعين مغمضة، ثم يكتشفون حقائقها بعد أن يكونوا قد دفعوا ثمن ذلك الاكتشاف من أمنهم أو حقوقهم أو استقرارهم النفسي.

ومن صور التغرير غير المقصود بالأبناء أن نقدم لهم صورة وردية عن المجتمع، ثم نتركهم يواجهون وحدهم عالمًا تمتلئ بعض زواياه بالمكر والاستغلال والابتزاز والخداع. وحين يصطدمون بهذه الحقائق يشعرون بأنهم لم يعدّوا للحياة كما ينبغي.

وليس الألم هنا في وجود الشر، فالشر قديم قدم الإنسان نفسه، وإنما في المفاجأة التي يحدثها اكتشافه المتأخر. وقد قيل قديمًا: “ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، لكن العاقل من يعرف خير الخيرين وشر الشرين”.

هذه المعرفة لا تتكون من الأمنيات، بل من الوعي والخبرة والتبصير. فكلما فهم الأبناء أساليب الأشرار وطرق التلاعب بالعقول والمشاعر، ازدادت قدرتهم على حماية أنفسهم دون أن يفقدوا نقاءهم أو يتحولوا إلى أشخاص متشككين في كل أحد.

إن التربية المتوازنة هي التي تجمع بين نقاء القلب ويقظة العقل، بين حسن الظن وحسن التقدير، بين الرحمة والحذر. فليس المطلوب أن نربي جيلًا خائفًا من الناس، ولا جيلًا يرى الشر في كل مكان، وإنما جيل يعرف أن الخير أصل ينبغي التمسك به، وأن الشر واقع ينبغي الاستعداد له.

إن الفضيلة وحدها قد تجعل الإنسان صالحًا، لكن الفضيلة المصحوبة بالوعي تجعله صالحًا آمنًا من كثير من المخاطر. لذلك فإن من أعظم ما نقدمه لمن نحب أن نعلمهم كيف يحافظون على أخلاقهم في عالم لا يحترم الأخلاق دائمًا، وكيف يبقون أوفياء للمبادئ دون أن يكونوا فرائس سهلة لمن احترفوا المكر. فحماية الفضيلة لا تكون بغض الطرف عن الشر، وإنما بمعرفته على قدر ما يكفل اتقاءه والنجاة من حبائله.

ولعل أبلغ ما يستشهد به في هذا المعنى ما رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حين قال: “كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني”. (البخاري ومسلم).

وهذه البصيرة فقه كبير من هذا الصحابي الجليل، فلم يكن سؤاله عن الشر رغبة فيه، ولا انشغالًا به، وإنما وعي بأن السلامة لا تكتمل بمعرفة الطريق المستقيم وحده، بل بمعرفة المنعطفات التي قد تضلل السائر عنه.

هكذا تكون التربية الحكيمة، تغرس في النفوس حب الخير، وتكشف لها وجوه الشر، حتى لا تفاجئها الحياة بما لم تهيّئها له. فالبصيرة التي تقي من السقوط لا تقل أهمية عن الفضيلة التي تدعو إلى الصعود.

مقالات ذات صلة:

ربتوني كويس ليه؟

الفضيلة ومفتاح السعادة الإنسانية

قصة البصر والبصيرة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. يحيى أحمد المرهبي

أستاذ أصول التربية المساعد كلية التربية والعلوم التطبيقية والآداب – جامعة عمران. الجمهورية اليمنية.