علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

التلوث الانفعالي: مفهومه.. أبعاده ومؤشراته.. قياسه.. مداخل علاجه

أولًا: مقدمة

يقول أوسكار وايلد (Oscar Wilde): “لا أريد أن أكون تحت رحمة انفعالاتي ومشاعري، كل ما أريده أن أجيد استثمارها، أن أستمتع بها، وأن أجيد ضبطها وإدارتها”. باختصار شديد “التلوث الانفعالي” نوع من القذارة النفسية التي تحجب البشر عن انفعالاتهم الإيجابية الحقيقية أو الأصيلة، وتلويثها بما يمكن تسميته بانفعالات الفحش والفجور والشهوة والكراهية والضغينة والأحقاد والغل السائدة في المجتمعات المعاصرة، التي تناقض ما فطر عليه الإنسان من رقة ووداعة وتواد وتراحم. إنها إشغال للعقل وتركيز لفاعلياته وديناميات عمله في التفكير القائم على التلاعب بالآخرين واستغلالهم وعدّهم أدوات خلقوا لخدمته والعمل على راحته.

يتعلق التلوث الانفعالي في جزءٍ أساسيٍ منه بتوجه الشخص ذاتيًا وتلقائيًا إلى ما يصح تسميته “الإفشاء”، أو النقل التلقائي والعشوائي لمشاعره وانفعالات العدوانية ذات الطابع الدفاعي الاستباقي بصورة مختلة ولأسباب واهية ودون أدني تدبر في تأثيراته على الآخرين، ربما بما يشبه محرك السيارة الذي ينفث بالدخان الناتج عن دورة احتراق الوقود.

ومن ثم يعد التلوث الانفعالي شيوع وتفشي ونفث للمشاعر والانفعالات العدائية في سياق بيئة التفاعل التي يتواجد فيها الشخص مع تجاهله لتأثيراته السيئة على الآخرين. يبدو أن استدامة تواصل الشخص بصورة اعتيادية مع الملوثين انفعاليًا سواء عبر التفاعلات بين الشخصية المباشرة أو عبر التفاعلات الافتراضية يفضي إلى امتلاء تكوينه النفسي بتصور أنه شخص مرفوض ومهمش أو يتجاهلون حاجاته، الأمر الذي يجعله وعلى الدوام في حالة من التوجهات الدفاعية عن الذات ونفاذ الصبر والاندفاع باتجاه التهجم على الآخرين، علاوة على التعاسة والاكتئاب دون أن يعرف أسباب هذه الانفعالات والمشاعر (Stosny, 2023).

ثانيًا: تعريف التلوث الانفعالي

يشي تعبير التلوث الانفعالي (Emotional Pollution) بامتلاء التكوين النفسي لأي إنسان بانفعالات ومشاعر الحقد والكراهية والضغينة، وتوجهه مباشرة نحو الاندفاع الذاتي التلقائي للتعبير عنها وإنفاذ دلالاتها سلوكيًا، ربما عن طريق عدة محاور للتعبير، لعل أشدها خطورة يتمثل فيما يلي:

  • التصوير المأساوي التشاؤمي للوجود الإنساني والطبيعة البشرية واقعًا ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.
  • استيلاب الابتسامة من على جبين كل من يتعامل معه ودفعه باتجاه التماوج في تصور بؤس الوجود وتعاسة الواقع وحيرة الحاضر وارتباك المستقبل.
  • بث روح العداء والكراهية لكل ما هو مثالي وحق وخير وجمال لا بسبب عدم الاعتقاد بقيمته أو عدم وجوبيته، إنما خوفًا من إظهار ذلك الحق والخير والجمال لعوراته وخبثه الخلقي.
  • إبداء روح العداء والكراهية لكل رقة تعبير وعفة لسان وسلامة مقصد وحسن توجه واستقامة سلوك.
  • تدثير البشر كلهم بعباءة الفحش وتصوير الطبيعة البشرية تصويرًا سوداويًا سلبيًا بالتقاط مظاهر السوء كلها وتضخيمها وجعلها الفكرة المركزية للوجود الإنساني.

ثالثًا: ديناميات تشكيل التلوث الانفعالي

لا يولد الإنسان بانفعالات ومشاعر سيئة أو خبيثة من المنظور الأخلاقي، إنما يولد ولديه قابلية لخبرة النطاق الإجمالي العام للانفعالات والمشاعر الإنسانية بدلالاتها الوجدانية وفقًا للتصنيفات العامة لهذه الانفعالات، ولعل أوضح هذه التصنيفات:

اضغط على الاعلان لو أعجبك
  • انفعالات سلبية في مقابل انفعالات إيجابية (Negative Emotions Vs. Positive Emotions).
  • انفعالات تكيفية في مقابل انفعالات غير تكيفية (Adaptive Emotions Vs. Non-adaptive Emotions).
  • انفعالات وظيفية في مقابل انفعالات غير وظيفية أو مختلة وظيفيًا (Functional Emotions Vs. Dysfunctional Emotions).

يكتسب الإنسان ما نسميه بخاصية “التلوث الانفعالي” في سياق الخبرات الحياتية السيئة والصادمة بغض النظر عن صيغها وأشكالها التي يتعرض لها في مساره الارتقائي، التي تجعله يتصور على المستوى المعرفي أن العالم الذي يعيش فيه يناصبه العداء ولا يستجيب لحاجاته ومطالبه الشخصية، علاوة على إدراكه لمظاهر الظلم والجور وعدم الإنصاف وتجلياته في تفاصيل الحياة ووقائعها وخبراتها كلها التي يتعرض لها أو يندمج فيها.

وعلى ذلك قد يكون من المقبول الإشارة إلى أنه لا يوجد إنسان تنطوي طبيعته البشرية وتكوينه النفسي منذ ولادته على كراهية وضغائن وأحقاد وعدائية تجاه الآخرين أو تجاه العالم الذي يحيا فيه، بل يجسد التلوث الانفعالي انفعالات ومشاعر قوامها الضيق والاستياء والمشقة والكرب وامتلاء التكوين النفسي للشخص بالتعاسة والبؤس، كانفعالات أو بالأحرى “حالات انفعالية” تنشأ من سياق خارج نطاق منظومة تكوينه الوجداني المفطور عليه، إلا أنها دخلت في نطاق تفكيره من الخارج واستقرت في قلبه، وألقت بظلالها على تصوراته ورؤاه وأفكاره المتعلقة بكيفية التعايش في مجتمعه ومن ثم ترجمتها سلوكيًا على مستوى أفعاله وردود أفعاله وتعبيراته اللفظية تجاه الآخرين، كاعتقاد أنها آليات مواجهة وتوافق في عالم غريب عنه ومغترب فيه.

وأفاد ستيفن ستوسني (Steven Stosny 2008) في مقاله “جرائم الأنا: التلوث الانفعالي” (Crimes of the Ego: Emotional Pollution) أن الانفعالات السلبية غالبًا يكون لها الأولوية فيما يتعلق بمعالجة الدماغ لها نظرًا لتعلقها مباشرة بوقاية الإنسان والحفاظ على وجوده على قيد الحياة، ويختلف هذا الأمر بالنسبة إلى ما هو مأخوذ به في الدراسة الحالية من وصف للتلوث الانفعالي كدالة لامتلاء التكوين النفسي للشخص بالانفعالات الخبيثة والسيئة، وليس الانفعالات السلبية، ذلك لأن الانفعالات بصفة عامة يتعذر إسقاط وصف سلبية أو إيجابية عليها ابتداءً، بخاصة أن الإنسان أي إنسان يخبر على مدار الساعة كما يقال نطاق واسع جدًا من الانفعالات والمشاعر تجاوبًا مع وقائع وأحداث وخبرات حياتية خارجية وتبدلات أو تحولات نفسية ذاتية داخلية.

إلا أن المفارقة الغربية في طبيعتها ذلك الانتباه والتركيز وأسبقية معالجة مثل هذه النوعية من الانفعالات التي قد يمكن تجاوزًا تسميتها سلبية في الدماغ، رغم أن الانفعالات الإيجابية في الواقع أكثر أهمية وأكثر حسمًا لبقاء الإنسان على قيد الحياة بأريحية على المدى الطويل بنوعية حياة أكثر جودة وأكثر بهجة وربما أكثر إثمارًا وإنجازًا.

ومع ذلك ولتوضيح طبيعة التداخل والتفاعل الدينامي بين هذين اللونين من الانفعالات يمكن القول أنك قد تشعر بحسن الحال والراحة والبهجة عند مشاهدتك اللون الأخضر الجميل المنسدل على التلال المتحرجة وسريان ماء عذب رائق وصافٍ، إلا أنك قد لا تصل إلى مثل هذه اللحظة إن لم تلاحظ ذلك الثعبان الكامن والمختفي في العشب الذي أمامك، لذلك فإن أدمغتنا يبدو أنها مبرمجة ذاتيًا لاستقصاء وتفحص البيئة المباشرة باستمرار التقاط أي تهديد لوقاية الذات منه ربما قبل التوجه إلى الاستمتاع بجمال الورود ورائحتها.

وما يجدر الإشارة إليه أن تلك البرمجة الدماغية شديد الحساسية لأية تهديدات أو مثيرات تتضمن عوامل خطورة لها أهمية بالغة في إبقائنا في مأمن وسلامة جسمانية وشخصية، ومع ذلك وللأسف نقلت هذه البرمجة من الدماغ إلى “الأنا” بفعل تاريخ طويل من التعرض لخبرات ووقائع وأحداث حياتية سيئة ربما تسلل بموجبها التلوث الانفعالي إلى تكوينها النفسي، قابضًا عليها في حالة تلبس بكراهية الذات وكراهية الوجود وكراهية الآخرين، لتصبح الكراهية وقود إزكاء نار العدائية تجاه الحياة بصفة عامة وربما تجاه الذات في ظل حالة التهديد الدائم لأمن وسلامة الأنا.

وقد يكون من المفيد في هذا السياق تصور الأنا دون ولوج في الدلالات الفرويدية لها على أنها “تشكيلة الطرق التي تقارب بها الحياة تفكيرًا وانفعالًا وفعلًا تجاه نفسه وتجاه الآخرين وتجاه العالم بصفة عامة، علاوة على تصورك للطرائق التي يفكر بها الآخرين حيالك والمشاعر التي يحملونها تجاهك”، على سبيل المثال قد يتصور شخص ما أنه “شخصية مهمة” ويحب أن يراه الآخرون كذلك، هنا قد يدلف في مسارات وفنيات التلاعب بانطباعات الآخرين ليجعلهم يعتقدون أنه بالفعل شخصية مهم، ويطلق علماء النفس على ظاهرة التلاعب بانطباعات الآخرين عن الذات اسم “إدارة الانطباع” (impression management).

وينظر بموجب هذا التصور إلى “الملوثون انفعاليًا” (Emotional polluters) على أنهم أشخاص يجيدون استثمار فنيات إدارة الانطباعات بالتلاعب والانتهازية والاستغلال والمكر أو التماكر، وهي فنيات مفعمة ببطانة وجدانية في الغالب.

الغريب أنه عندما تخفق فنيات إدارة الانطباع واستراتيجياتها التي يستخدمها الملوثون انفعاليًا يكون لديهم ما يمكن تسميته شبكة تأمين الذات، فإذا أخفق شخص ملوث انفعاليًا في جعل الآخرين يرون أنه شخصية مهمة تستحق التوقير والتبجيل ينساب في استخدام ما يعرف بتقنيات التقليل من شأن الآخرين وتحقيرهم والكيد لهم، والتعبير الماكر عن عديد من الانفعالات الخبيثة كالكراهية والضغينة والأحقاد في إطار ما يعرف بالمقارنة التنازلية ليُسقط مكانتهم واعتبارهم بالتعبير عن هذه الانفعالات فيما يعرف بفعل المكايدة والتشويه وتلويث السمعة.

وأشار ستيفن ستوسني (Steven Stosny 2008) إلى أن التلوث الانفعالي يصبح مشكلة جسيمة عندما تندمج الاعتداءات على الأنا أو الذات مع أنظمة الدفاع التي تهدف إلى إبقاء الإنسان آمنًا جسمانيًا، ومن هنا تضحى أية تهديدات للأنا كأنها “مواقف حياة أو موت”، وربما يمكن في إطار مثل هذا الوصف تفهم دلالات عبارة “الموت قبل الإهانة” (death before dishonor).

هنا يمكن فهم ماهية التلوث الانفعالي كونه نوعًا من أنواع النقل أو الإزاحة المخصصة للدفاع عن الأنا، الأمر الذي يعطي التلوث الانفعالي موطئ قدم رهيب في التكوين النفسي لعديد من البشر، إلا أن لهذا الأمر ضريبة يدفعها الملوثون انفعاليًا، سواء كانوا مدركون لذلك أو غير مدركين، تتمثل في الإحباط والانغلاق على الذات والتوجه نحو تحقير الذات والتقليل من شأنها وربما كراهية الذات أو بغض الذات، مع الممانعة في الاعتراف بهذه التأثيرات بارتداء قناع زائف من القوة والاقتدار والارتياح.

وبين ستيفن ستوسني أنه من المفارقات أن الدفاعات التي نطورها لوقاية ذاتنا من التلوث الانفعالي تنتهي بنا إلى تكوين مزيد منه خصوصًا إذا حاولنا منع الآخرين من جلعنا نشعر بالإحباط أو الانغلاق على الذات أو التقليل من شأننا أو التقليل من شأنهم عن طريق إهمالهم أو إقصائهم والابتعاد عنهم، من ثم رأى ستيفن ستوسني أن التلوث الانفعالي عرض دفاعي عن الذات يكمن وراءه دافعية عدائية وعدوانًا موجهًا نحو الآخر بحيل غير مباشرة، وعادة يكون له طابع الاستمرارية الذاتية بلا هوادة.

من جهة أخرى عد ستيفن ستوسني في مقال آخر له بعنوان “موطئ قدم التلوث الانفعالي: الاغتراب” (The Foothold of Emotional Pollution: Alienation) أن: “الاغتراب وشعور الشخص بغربته في السياق الذي يعيش فيه بؤرة التلوث الانفعالي ومظهره الأساسي والعامل الذي يزوده في الوقت نفسه بوقود استمرار اشتعال جذوته”.

مع ذلك دعنا نطرح السؤال التالي: لماذا ينتابك الشعور بالشفقة على شخص بلا مأوى تراه في الصباح، وعندما تعود في نهاية اليوم ينتابك الشعور بالانزعاج؟! ربما لأنك تتساءل لم يبحث عن عمل؟ ما الذي يجعل الطفل المحبط يمتلئ تكوينه النفسي باليأس عندما يكون بمفرده، لكن تنتابه نوبات من الإلهام والفاعلية والنشاط عندما يكون مع أصدقائه؟!

إلا أن الملوثين انفعاليًا نادرًا ما تتلبسهم مثل هذه الحالة من الارتياح حال التفاعل مع الآخرين، نظرًا لكونهم أشخاصًا تلتهم الكراهية الكامنة في بنيتهم النفسية كل توجه ودي، كل رغبة تواد، وكل مقصد خير ولا يدركون أن مثل هذه الكراهية تعزز كلًا من الاغتراب الاجتماعي (Social alienation) بل والاغتراب عن الذات والشعور بالنفور منها (self-alienation) مما يمثل العامل المخصب لمزيد من التلوث الانفعالي.

مقالات ذات صلة:

الذكاء الانفعالي .. المنظم الخفي في البنى النفسية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د . محمد السعيد أبو حلاوة

اختصاصي الصحة النفسية والإرشاد النفسي، كلية التربية جامعة دمنهور