من قتل النبتة؟

منذ بضعة أيام ذهبت مع بعض الأصدقاء إلى مطعم ومقهى جيد، لكن! لكن للأسف مثل كثير من الأماكن في مصر اليوم، يعيشون عيشة غير عيشة أهلهم، يصطنعون أنهم في أمريكا!
حين جاء إلينا الشاب لمعرفة طلبات كل واحد منا، قدم لنا قائمة الطعام باللغة الإنجليزية. الشاب المسكين يبذل مجهودًا كبيرًا لفهم المكتوب في قائمة الطعام من محتويات وشرحه لنا، أو نطق الأسماء المكتوبة بلغة ليست لغتنا نحن العملاء والزبائن، ولا لغة العاملين في المكان!
الكل يبذل مجهودًا كبيرًا في فهم المكتوب، والكل يصطنع أن هذا الطبيعي ولزوم الشياكة والأناقة، وأنك في إيجيبت.
طبعًا بعد أن انتهينا من الطعام والقهوة، طلبت أن أكتب تعليقًا للإدارة، وجدنا بصعوبة ورقة وقلمًا، كتبت لهم رأيي وتعليقي، وتعليق أصدقائي: “المكان جيد والطعام جيد والخدمة جيدة، لكن!
من الأفضل احترام لغتنا العربية، بدلًا من اصطناع أننا في بلد آخر، كي يكون التواصل أفضل بين العملاء والعاملين في المكان، ومن ثم تكون الخدمة أفضل”.
أغلب العاملين في هذا المكان مصريين وعرب (إذا لم يكن كلهم!)، أغلب الزبائن والعملاء في هذا المكان مصريين وعرب (إذا لم يكن كلهم!).
هو حضرتك في مطاعم أمريكا أو فرنسا أو إيطاليا، ستجد القائمة مكتوبة بلغة إيه؟ عربي مثلًا علشان يمكن في يوم من الأيام يأتي سائح تائه من بلاد العرب إلى المطعم؟ لا طبعًا!
يعني المطعم في مصر وشوارعها العادية، يطبع قوائم الطعام واليافطات كلها بالإنجليزية، علشان يمكن في يوم ما سائح أمريكي تائه يصل إلى المطعم مثلًا؟ وطظ في مئات الزبائن المصريين والعرب بتوع كل يوم؟!
لذلك أعتقد أن قائمة الطعام واليافطات والعلامات يجب أن تكون باللغة العربية.
الإنجليزي عند هرم خوفو مثلًا أو معبد الكرنك (مكان سياحي مخصص للسياح غير العرب أساسًا)، لكن ما ذنب بقية شوارع مصر؟!
الدرس
هذه المطاعم والأماكن والمحلات كلها تريد أن تكسب المال، وترضي العملاء والزبائن، لو كل واحد منا إيجابي بما يكفي لإبلاغ إدارة هذه الأماكن وأصحابها بأن اللغة العربية مهمة، ومفيدة، ومهمة لرضا العملاء، وهي وسيلة التواصل التي تجعل التواصل بين من يقدم الخدمة ومن يستقبلها أفضل، ورضا العميل أفضل، وأن تمثيلية أننا أمريكيون وأوروبيون يعيشون في إيجيب، أصبحت تمثيلية سمجة وسخيفة ومضحكة ومثيرة للشفقة والسخرية!
يعنى لو المحلات كلها وجدت الزبائن تطلب اللغة العربية، ستسارع لتطبيق رغبات الزبائن، لأنها مصلحة المحلات والمؤسسات، كي ترضي الزبائن وتكسب وتنجح.
عادي يعني!
هنا لا أطلب من الناس دخول حرب أو عمل مظاهرة أو تكوين جماعة محظورة، أنا أطلب طلبًا بسيطًا، وإيجابية بسيطة جدًا جدًا، التأكيد على أهمية اللغة العربية كل يوم وفي كل مكان تشتري منه أو تتعامل معه.
الإيجابية لا تحتاج إلى جمع ملايين، ولا تحتاج إلى انفجار البراكين، فقط تحتاج إلى نية واضحة في القلب، وعمل بسيط ومتكرر كل يوم بلا ملل ولا كسل.
لذلك تقول الحكمة: من قتل النبتة أو الزهرة؟ لا أحد لكنهم فقط نسوا سقايتها! لم تنطفئ النار فجأة، لكن أحدًا لم يضف لها حطبًا!
حين تكون سلبيًا، فأنت تشارك في الجريمة وفي ارتفاع صوت الباطل واختفاء صوت الحق، من يشارك في انهيار الأخلاق والدين وتراجع استعمال اللغة العربية اليوم في بلادنا التعيسة هو كل واحد منا، بالسلبية والاستسلام.
قبل أن تشكو من انهيار الأخلاق أو تراجع الدين أو إهمال لغتنا العربية، لغة القرآن الكريم، ربما عليك أن تسأل نفسك هل أنت إيجابي بما يكفي ومؤمن بما يكفي لفعل أفعال بسيطة متكررة كل يوم تساعد في نصرة قضيتك وما تؤمن به، أو على نشر الدين والأخلاق واللغة العربية في ما حولك؟ بالقول والفعل والقلب؟!
مقالات ذات صلة: