في حبه “صلى الله عليه وسلم”

إذا كان سيدنا آدم عليه السلام سر وجود الإنسانية، فإن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سر كمالها، هكذا قال لنا أهل الطريق. ولعل صفة “الإنسان الكامل” التي كان عليها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، من حيث كونه بشرًا، يأكل الطعام، ويمشي بين الناس، كانت من أكثر الأشياء التي أثارت الغرب وحركت فيه بواعث الحقد والتعصب والكراهية.
وقد كان صلى الله عليه وسلم بالفعل مثالًا للإنسان الكامل زوجًا، والإنسان الكامل صديقًا، والإنسان الكامل قائدًا، رغم أن مبلغ العلم فيه أنه بشر، لكنه كان خير خلق الله كلهم، حياة وسيرة وأثرًا، كما قال البوصيري رحمه الله.
البوصيري من أمازيغ الجزائر، لم يكن عربيًا! لكنه عاش بمصر ومات بمصر، وكان من تلاميذ “أبو العباس المرسي” أحد كبار المدرسة الشاذلية في السلوك والتصوف.
لعل صدقه الشديد في كل كلمة قالها في هذه القصيدة، هو ما كتب لها هذا الانتشار والاستمرار، وتقريبًا الشعراء كلهم كانوا يكتبون قصائد المديح وعيونهم على البردة
مولاي صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم
الغرب الذي عرّف نفسه بعدائه لنا كما يقولون، “ليسوا سواء” كما علمنا القرآن، وهم كذلك بالفعل في موقفهم من الإسلام ونبي الإسلام، فمنهم المنصفون، وأكثر هؤلاء من الأدباء والمثقفين والمفكرين، ومنهم الكارهون والحاقدون، وأكثرهم من السياسيين والمستشرقين ورجال الدين.
سيظل الشاعر والمفكر الألماني “جوته” صاحب الاسم العملاق في الثقافة الغربية، الذي لم يكتف بإنصاف النبي فقط، بل أحبه حبًا تملكه وتملك عليه عقله وقلبه وشاعريته العبقرية.
إنه يوهان فولفجانج جوته (1749-1832) صاحب الكتاب الهام “الديوان الشرقي للمؤلف الغربي” الذي شغف بالإسلام وشريعته، والقرآن وبلاغته، ومحمد ورسالته.
يقول في هذا الكتاب: “لله المشرق، لله المغرب، الأرض شمالًا، الأرض جنوبًا، تسكن آمنة بين يديه”، ولعله كان يتمثل الآية الكريمة في سورة البقرة: “وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)”.
وعزم وهو يحتفل ببلوغه السبعين من عمره، على الاحتفال بالليلة المقدسة، التي نزل فيها القرآن الكريم: “ليلة القدر”.
عاش طويلًا وهو يبحث عن الظاهرة الأولية للدين في الأديان المختلفة، مقبلًا عليها جميعًا في قوة من العقل، وخصب من الوجدان، وفسحة من أفق الفكر، وقال قولته الشهيرة الأخيرة: “إذا كان الإسلام معناه التسليم لله فعلى الإسلام نحيا ونموت جميعًا”.
كتب مئات الصفحات، يمجد فيها النبي صلى اللـه عليه وسلم، ووصف أمة العرب والإسلام بأنها أمة شجاعة باسلة، لا تهاب الموت، بل إن الموت يهابها، وأدرك عالمية الإسلام وخلوده.
فقال: “ما كان لهذا الفيض النوراني أن يبقى مقصورًا على الصحراء، يغيض في رمالها، وتمتصه شمسها، ويصده كثيبها”.
اقرؤوا وصفه للحظة تنزل الوحي على النبي الكريم قائلًا: “حينما كان يتأمل الملكوت جاءه الملاك على عجل، أتاه ومعه النور، اضطرب من كان يعمل راعيًا وتاجرًا، فهو لم يقرأ من قبل، والملاك أمره بقراءة ما هو مكتوب، وأمره ثانية: اقرأ، فقرأ!”.
يصور “جوته” شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في قصيدته الشهيرة “أنشودة محمد” بأنه مثل: “النهر بدأ يتدفق رفيقًا رقيقًا هادئًا، ثم لا يلبث أن يجيش على نحو مطرد، فيتحول في عنفوانه إلى سيل عارم، يجذب إليه جميع الجداول والأنهار المجاورة، ليصب الجميع في زحفها الرائع في بحر المحيط”.
ولعله كان يتمثل أيضًا الآية الكريمة في سورة الأنعام: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)”.
الحقيقة أن “جوته” كان يشعر بعاطفة عميقة مع الإسلام، وعلاقته بالثقافة العربية والإسلامية بدأت مبكرًا، حتى أنه قال إنه لا يكره أن يُشاع عنه أنه مسلم.
لكن حفاوتنا بجوته وما قاله عن النبي الكريم، لا تشغلنا عن ما كتبه أعظم فيلسوف عربي في العصر الحديث –وهذا وصف د.طه حسين له– إنه الدكتور عبد الرحمن بدوي رحمه الله، الذي ترجم للعربية أعمال جوته كلها.
الذي كتب في آخر حياته كتابين بالغي الأهمية: “دفاع عن القرآن ضد منتقديه” و”دفاع عن محمد ضد المنتقصين من قدره” وسيقرأ هذان الكتابان بعد عشرات السنين، قراءة مرجعية واسعة.
وسيكونان جزءًا من المكتبة الصلبة للفكر الإسلامي في العصر الحديث، مثل كتب علي عزت بيجوفيتش وعبد الوهاب المسيري رحمهما الله، وبالطبع كتاب “الاستشراق” د. إدوارد سعيد! الذي قلب طاولة الاستشراق العريقة على رؤوس مفكري الغرب رأسًا رأسًا.
د/ بدوي من قافلة الكبار في الفكر والثقافة العربية، الذين حلوا وارتحلوا في دنيا الفكر والفلسفة والثقافة ثم حطت رحالهم في “واحة الإسلام العظيم”.
قال عن ذلك: “لا أستطيع أن أعبر عما بداخلي من إحساس الندم الشديد لأنني عاديت الإسلام والتراث العربي لأكثر من نصف قرن.
أشعر الآن أنني بحاجة إلى من يغسلني بـ”الماء الصافي الرقراق” لكي أعود من جديد مسلمًا حقًا، إنني تبت إلى الله، وندمت على ما فعلت، وأنوي إن شاء الله، أن أكون جنديًا للفكر الإسلامي وللدفاع عن الحضارة التي شادها الآباء والأجداد التي سطعت على المشارق والمغارب لقرون وقرون”.
بإمكاننا أن نضع ما قاله جوته وعبد الرحمن بدوي وبيجوفيتش والمسيري وسعيد، وهم من هم في علياء الفكر الإنساني، بإمكاننا أن نضع إنتاجهم إلى جوار ما يكتبه ويقوله “السفهاء” إياهم، في الإعلام والفضائيات، عن الإسلام ونبيه وتاريخ الأمة.
وفورًا، فورًا سنتذكر بيت المعري الشهير:
وطاولت الأرضُ السماءَ سفاهة وفاخرت الشهبَ الحصى والجنادلُ
فاللهم صلِّ وسلم تسليمًا على سيدنا محمد، وأدخل مفكرينا الكبار في رحمتك وعفوك، واجعلهم شهودًا على عبادك، واجمعنا بهم في رضوانك.
مقالات ذات صلة:
النبي، الإنسان الكامل والرئيس الأول
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا