قضايا وجودية - مقالاتمقالات

الترياق الذي نغفل عنه

كأسٌ من الكريستال النادر، يفلت فجأة من يدٍ لاهية، أو يدفعه مرفقٌ خاطئ بلا قصد. تخيّل هذا المشهد بالتصوير البطيء، في تلك الثانية الفاصلة بين السقوط والارتطام، يتوقف الزمن. تتسع الحدقات، وتتشنج الأصابع محاولةً تدارك ما لا يتدارك، لكن الجاذبية أقوى، والقدر أسرع.

ثم يحدث الارتطام.

تتناثر الشظايا اللامعة في كل مكان، ويتحول ذلك الشيء المكتمل البهيّ إلى حطامٍ حادٍ يجرح من يلمسه.

نعرف هذا المشهد جيدًا، ونعرف كيف نكنس البقايا بأسى، ونلقي بها في سلة المهملات، لأننا نوقن أن بعض الأشياء إذا كسرت، لا تعود.

لكن ماذا عن انكسارك أنت؟ ذلك الارتطام الخفي الذي حدث بداخلك يوم أن رحل من غفلت أنه يمكن أن يرحل! أو تلك الشرخة العميقة التي شقّت جدار روحك حين فقدت عزيزًا كان يملأ عليك الحياة، أو صوت الأحلام وهي تتحطم بصمت على صخرة واقعٍ لا يعتذر.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

مشكلة انكسار الروح أنه صامت لا يسمعه الجيران، ولا تلتقطه أدق أجهزة التنصت، ولا ينتبه له أقرب الناس إليه، تمشي بين الناس بهيئتك المكتملة، ثيابك منسقة، صوتك متزن، خطواتك واثقة، ربما تبتسم، وتوزع النكات، وتبدو من الخارج متماسكًا كعادتك.

في حين أن داخلك كومة من الشظايا، ونزيف لا يرى، وروح تصرخ بصوتٍ مكتوم: “أنا لست بخير، أنا أتحطم!”.

هل سمعت يومًا صوت ارتطام روحٍ بالأرض؟ ليس للروح عظامٌ لتنكسر، ولا زجاجٌ ليتهشم، لكن لها انكسارًا، إن حدث كان دويه في عالم القلوب أشد من دكّ الجبال.

ولو كان للقلوب صوتٌ حين تنكسر، لضجّت الأرض كلها بصخب لا يحتمل، ولما استطاع أحدٌ أن يغمض عينيه ليلًا من فرط الصراخ.

وجميعنا نحمل بعض تلك الشقوق غير المرئية: ندوب خذلانٍ قديم، كسور فقدٍ لم تلتئم، وشروخًا أحدثتها كلمات قاسية ألقيت بلا اكتراث، فاستقرت في قاع الذاكرة، ولم تغادر.

نصافح الناس بأيدٍ قوية، ونمارس الحياة كأن شيئًا لم يحدث، لكن في الداخل: ثمة شيء هش، يرتجف عند أقل هبة ريح، يبحث عمّن يسنده، يلملم شتاته، يعيده إلى هيئته الأولى قبل أن تعبث به الأيام.

تستخدم “غراء” النسيان، فلا يتماسك الكسر. تستعين بـ”لاصق” البشر ومواساتهم، فيخفت الألم لحظات ثم يعود الوجع أشرس مما كان. تكتشف بمرارة أن الكسور البشرية أعقد من أن يصلحها بشرٌ مثلك، وأن الروح إذا تهشمت، لا يملك إعادتها إلى الأصل إلا صانعها.

ثم حين تشعر أنك تحولت إلى قطع متناثرة لا يجمعها رابط، وحين تفشل كل محاولاتك في “إصلاح نفسك” بنفسك، في تلك اللحظة العارية من كل حيلة، والمفتقرة لكل سبب، تجلس وحيدًا وسط ركام نفسك، عاجزًا حتى عن البكاء، فيبرز لك من وراء حجب الغيب اسمٌ واحد، كأنك كنت تنتظر هذه اللحظة لتناجيه به، اسمٌ يحمل الهيبة في حروفه، والحنان في معناه: إنه “الجبار”.

لكن، مهلًا..

لماذا تنقبض قلوبنا –عادةً– حين يطرق أسماعنا اسم الله “الجبّار”؟ لماذا ارتبط في الوجدان العام بالقوة والانتقام؟

لعل المشكلة تكمن في القياس، قياس “جبروت المخلوق” الناقص، على “جبروت الخالق” الكامل. وشتان بين جباري البشر الذين يجبرون الناس قهرًا ليرمموا نقصهم وتكبرهم، وبين ربٍّ يجبر كسر القلوب رحمةً، لأنه هو من خلقها، وهو الأعلم بدقيق مواضع الوجع فيها.

الحق أن لاسم الله “الجبّار” جناحين عظيمين في معناه، لا يستقيم تحليق قلب المؤمن إلا بهما معًا: الجناح الأول يمثل القوة والعلو والقهر، فله رقاب الجبابرة قد خضعت، وعن أمره ما خرج شيء في ملكوت السماوات والأرض.

والجناح الثاني وفي معناه الترياق الذي نغفل عنه: إصلاحٌ، وترميمٌ، وجبرٌ للكسير، وإغناءٌ للفقير، وتيسيرٌ لكل عسير.

​وإنك لو تأملت اللغة لوجدت فيها سرًا بديعًا، لماذا سمّى نفسه “الجبّار” بصيغة المبالغة، ولم يقل “الجابر”؟ السر يكمن في طبيعتك البشرية الهشة. فـ”الجابر” قد يرمم كسرك مرة، ثم يتركك في الثانية، أو يعجز عنك في الثالثة. أما “الجبّار”، فهو الذي يجبر الكسر وإن تكرر ألف أو آلاف أو ملايين المرات.

هو من يلملم شتات القلب وإن تفتت مليار مرة.

اسمٌ استدعى صيغة الكثرة والاستمرار، لأن الله يعلم أن انكساراتنا في هذه الدنيا لا تنتهي، فجعل جبره لنا فيضًا لا ينقطع.

وكما اقتضى اسم “الرزاق” مرزوقًا لا يتوقف عن الحاجة، واقتضى اسم “التواب” مذنبًا لا يتوقف عن الزلل، اقتضى اسم “الجبّار” قلبًا منكسرًا، لا يجد ملاذًا لترميم روحه إلا مولاه.

عندها لن تظن أبدًا أن تكرار سقوطك سيجعل الباب يغلق، فإن الجبار –جل في علاه– يصلح ما أفسدته الأيام فيك، مرةً تلو الأخرى، حتى تلقاه. ومهما بلغت درجة الكسر، ومهما بلغ التهشم.

مقالات ذات صلة:

عودة الروح.. كيف نصنعها؟

اليد.. صراع القسوة والحِنيَّة

فسيكفيكهم الله

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. محمد علي يوسف

‏‏كاتب وطبيب أسنان‏