ليس كل من يتحدث عن الأخلاق يعيشها والكاميرا لا تكشف الحقيقة دائمًا

في السنوات الأخيرة، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منصةً يعرض فيها بعضهم النصائح الأسرية كأنها حقائق يعيشونها كل يوم. فنجد بعض الأمهات ينشرن مقاطع فيديو يوجهن فيها أبناءهن إلى حسن معاملة الزوجات، واحترامهن، والرفق بهن، وهي قيم عظيمة لا يختلف عليها أحد.
لكن المفارقة أن من يعرف واقع بعض هؤلاء قد يكتشف أن ما يعرض أمام الكاميرا لا يشبه ما يحدث خلف الأبواب المغلقة. وهنا يطرح العقل سؤالًا مهمًا: لماذا يحرص بعضهم على صناعة صورة مثالية أمام الناس، في حين تكون الممارسة الواقعية مختلفة تمامًا؟ لقد أشار القرآن الكريم إلى خطورة هذا التناقض بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾ [الصف].
التفسير الأقرب لهذا السلوك ليس أن كل من يقع فيه سيئ النية، وإنما أن وسائل التواصل أغرت كثيرين بالاهتمام بالصورة أكثر من الجوهر وبالانطباع أكثر من الحقيقة. فمنهم من يسعى إلى كسب إعجاب الناس، أو تحسين صورته الاجتماعية، أو الظهور في هيئة المصلح والناصح، في حين يكون الإصلاح الحقيقي في الواقع أقل حضورًا.
المشكلة ليست في تقديم النصيحة، بل في أن تتحول النصيحة إلى أداء أمام الكاميرا، في حين تظل العلاقات الأسرية تعاني المشكلات نفسها. لذلك قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)﴾ [البقرة]. فالقدوة الصادقة لا تحتاج إلى عدسة تصوير، لأن أثرها يظهر في النفوس قبل أن يظهر على الشاشات.
ولعل الرسالة الأهم أن الأسرة لا تُبنى بمقاطع الفيديو القصيرة، وإنما تُبنى بالمواقف الصادقة، والاحترام المتبادل، وحسن المعاملة التي يراها الأبناء كل يوم. فلا تجعلوا همّكم أن يصفق لكم الغرباء، في حين أقرب الناس إليكم لا يجدون منكم ما تنصحون به الآخرين.
إذا أردت أن تؤثر في ابنك، فلا تبدأ بتسجيل مقطع فيديو، بل ابدأ بأن تكون قدوة يراها بعينيه. فالكلمات قد تنتشر في دقائق، أما السلوك الصادق فيبقى أثره سنوات، والناس قد تعجب بالخطيب لكنها في النهاية لا تثق إلا بمن يطابق قوله فعله.
ونسأل الله أن يرزقنا صحبة الصادقين، وأن يباعد بيننا وبين أهل الرياء والتناقض، وأن يجعل لنا من دعاء عباده الصالحين نصيبًا، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)﴾ [القصص]، وقال سبحانه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. فاللهم جنبنا أهل الزيف، وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واجعل سرائرنا خيرًا من علانيتنا، وأعمالنا شاهدةً لنا لا علينا.
مقالات ذات صلة:
ما المقصود بالتربية؟وما هو تأثير القدوة؟
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.