أسرة وطفل - مقالاتمقالات

خرافة اسمها التربية الحديثة

زمان كان الأب والأم لهم احترام وهيبة وقيمة في قلوب الأبناء وعقولهم، كان الأب والأم يمثلون دور القائد والمرجعية، كلامهم له ثقل ومعنى.

موضوع أن يكون التعامل ببساطة وتساهل أو استهتار مع الأب والأم شيء غير مقبول في المجتمع، ولا يخطر على عقل ابن أو ابنة طبيعية.

كأن أن يتكلم الابن أو الابنة مع الأب، تمامًا كما يتكلم مع مدير المؤسسة، أو الرئيس في العمل. يجب الحفاظ على الاحترام والطاعة، وحين يحدث اختلاف في الرأي، تُطبَّق الأوامر الأبوية.

كل من يخالف هذه المنظومة هو ابن عاق، وفتاة عاقة، وينظر إليهم الجميع أنهم من المنحرفين ويقترفون ذنب عقوق الوالدين.

هذا طبعًا طوال التاريخ لا يتنافى مع حب الأبناء لأبيهم وأمهم واحترامهم، ولا مع حب الأب والأم لأولادهم وبناتهم ورعايتهم. كانت علاقة طبيعية ناجحة طوال التاريخ، وهذا ما صنع الحضارات البشرية كلها.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ثم جاء في التسعينيات خرافة اسمها التربية الحديثة!

فيها قالوا للآباء والأمهات إن عليك أن تتباسط مع أولادك، وتتحول من قائد إلى صديق، أن تلعب دور الصاحب مع أولادك، وليس دور القائد والأب في الأسرة.

لماذا؟

لكي يصاحبك ابنك ويحكي لك عن تفاصيل حياته وأسراره، بدلًا من أن يحكيها لأصحاب السوء، أن يكون الأب وتكون الأم بدلاء عن الأصدقاء في المدرسة والزملاء في الشارع والنادي والمنطقة.

فكرة لطيفة من الناحية النظرية، أن تتقرب من أولادك كي يثقوا بك ويحكوا لك عن تفاصيل حياتهم كلها، ومن ثم تنقذهم وتنصحهم، بدلًا من أن يضيعوا مع رفيق السوء وأصحاب الفساد.

ومع تشجيع هذه الأفكار بدأ الإعلام في تشويه صورة الأب القائد والأم الحكيمة، وتقديم هذه الصورة على أنها صورة من صور الكبت للأبناء، وأن هذا يصنع بيتًا كله خوف ورعب وكبت وأطفال معقدين!

أصبح الإعلام يقول لنا إن من يحترم أباه وأمه شخص مكبوت معقد نفسيًا. يشجع صورة الأب العبيط والأم السطحية الاستهلاكية والأبناء الأصحاب، كلهم بالمستوى العقلي نفسه، بلا قائد!

بل أحيانًا يقدم لنا الإعلام أن الأبناء أكثر عقلًا وحكمة من أهلهم، رغم أن هذا منافٍ للمنطق وخبرات الحياة! كأن سنوات العمر وخبرات الحياة لا تساوي أي فارق بين الأب والابن!

لكن النتيجة كانت غير ذلك!

النتيجة أن الأب والأم لا يمكن أن يحلوا محل الأصحاب والزملاء، ولا يزال الأبناء لهم حياتهم السرية مع أصحابهم التي لا يعرف الأب والأم عنها أي شيء، سواء في المدرسة أو الجامعة أو على الإنترنت أو على مواقع التواصل الاجتماعي.

من ناحية أخرى فقد الأب هيبته بسبب المبالغة في التباسط ولعب دور المراهق الذي يلعب مع صديقه (ابنه أو ابنته)، بسبب تصرفات صبيانية وتقرب مفتعل مبالغ فيه، وربما التصابي في المظهر وطريقة الكلام والتصرفات.

وفقدت الأم هيبتها وقيمتها بسبب التصابي ولعب دور الشابة الكيوت التي تلعب وتتكلم مع صديقتها (ابنتها أو ابنها) وتلاحق مستحضرات التجميل وجراحات التجميل بسبب وهم أن تبدو أصغر من سنها الحقيقي.

أصبح الابن والابنة يبحثان عن قدوة وشخص يحترمانه خارج البيت! ممثل، راقصة، إنفلونسر، لاعب كرة! لأن من يعيش معهم في البيت غير محترمين! أب وأم لا يملؤون العين ولا يبعثون على الاحترام!

لا يستحقون حتى أن يأخذ رأيهم، فهم في نظره محض مراهقين حمقى مثله، بل ربما أكثر حمقًا لأن خبراتهم تختلف عن خبرته ولا يفهمون لغة جيله وأصحابه.

ويمجد الأب والأم في المراهق وقدراته ليل نهار تحت شعار التربية الإيجابية، حتى يصاب الابن والابنة بالنرجسية والغرور! في حين هو يسخر من أبيه وأمه ومن قدراتهم ليل نهار!

أضف إلى ذلك ظهور أجيال من البشر المتصابين! يتصابى ويخجل من عمره وحقيقته. عمره خمسون أو أربعون سنة، لكن يريد أن يعيش حياة المراهقين والشباب، يبحث عن المغامرات العاطفية، أو يلبس ملابس لا تليق بعمره وسنه، أو يجري وراء عمليات التجميل وتعاطي الهرمونات، لعل الناس تنخدع في عمره الحقيقي ولا تلاحظ التجاعيد والترهلات في جسده!

أصبح يخجل من حكمة السنين والخبرات، مقابل الظهور بمظهر الشاب الكيوت والبنت الدلوعة!

هذا صنع لنا اليوم عالم كبير من المراهقين، مراهقين غير ناضجين عمرهم 18 سنة، وآخرين مراهقين غير ناضجين عمرهم أربعون وخمسون سنة!

مشكلة المراهق دائمًا أن بداخله شعور دائم بالنقص وعدم الارتياح والسعي لكسر القواعد لمجرد أن يثبت لنفسه وللآخرين أنه مستقل ومتمرد ويستطيع مخالفة القواعد، حتى لو كانت مخالفة القواعد ضارة له ولا تنفعه! لكن التمرد للتمرد فقط!

بيد أن الناضج والعاقل يعرف مصلحته والهدف من كل فعل، ولا يحتاج إلى مخالفة القواعد أو رفض العادات والتقاليد، فقط ليثبت للآخرين ولنفسه أنه مستقل ويستطيع وقوي وقادر.

الخلاصة

اليوم قلل الآباء والأمهات من قيمتهم واحترام أولادهم لهم، على أمل التحول إلى زملاء وأصحاب يتقربون إلى أولادهم، وعلى أمل إطالة مرحلة الشباب والمغامرة في عمرهم، تحت شعارات التمرد على المؤسسة الأبوية والعادات والتقاليد والهرم الاجتماعي والأفكار النسوية.

لكن النتيجة كائنات مشوهة لا تحقق الاحترام لنفسها، ولا يحترمها أبناؤها، ولا يحترمها المجتمع، ويستهتر بها الجميع!

مقالات ذات صلة:

حين تصنع التربية إنسان الرسالة

استراتيجيات المعاملة الوالدية

ثقافة بناء الأسرة والبعد عن التعصب

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس