الأسئلة الحمقاء

لعلنا لاحظنا في السنوات الماضية في الإعلام وبرامج الفضائيات نموذجًا متكررًا وخبيثًا للأسئلة الخائبة التي لا فائدة من طرحها، فضلًا عن أن تكون لها إجابات مطلوبة، وواضح أن أصحاب تلك الأسئلة أصلًا لا يريدون إجابات ولا غيره!
هم فقط من أصحاب الثرثرة الفارغة البائسة، ويستغلون انصراف الناس إلى “عالم الفرجة” على الشاشات، ويملؤون الدنيا ضجيجًا بكل ما هو تافه وخبيث، مثل: لماذا لا يوجد لاعبون مسيحيون في المنتخب؟! لماذا يحيي لاعبو المنتخب أبو تريكة؟! لماذا يسجد اللاعبون في الملعب؟!
وكلها أسئلة لا يطلب “العقل الرشيد” إجابة عنها، ومن ثم فلا يصدر عنه أصلًا سؤال بهذا النحو، فإخواننا المسيحيون جزء من المجتمع، الذي تقل فيه كثيرًا فرص ظهور المواهب واكتشافها للجميع، في ظل ما يعانيه الناس، ولا يمتلك المجتمع أصلًا أدوات اكتشافها.
وأبو تريكة لاعب يحبه زملاؤه، وسجود الشكر معروف في الثقافة الإسلامية.
لك أن تتخيل كيف تتحول هذه الأمور إلى موضوع للسؤال والنقاش! وصدق من قال إن الفراغ يستدعي ما يملؤه! لكننا هنا أمام “خبث” في استغلال هذا الفراغ، وملئه بما يؤذي الناس ويثير بينهم الفتن والخلافات.
في الثقافة الإسلامية نهي عن كثرة السؤال وهو نهي جدير بالتأمل، ويحمل كثيرًا من الرفعة والسمو بالعقل الإنساني، أحد أهم نعم الله الكثيرة على الإنسان.
ذلك أن السؤال حين يبدأ الحركة في الذهن تحوطه تلقائيًا إجابات كثيرة متعددة متنوعة، تكاد تصل إلى “المغزى” الذي يطلبه السؤال.
وإما أن يجد له إجابة ترضيه، أو أن يقترب من الفهم الذي يطلبه الذهن من إثارة السؤال، أو أن يجد أن السؤال لا غاية له ولا فائدة من معرفة الإجابة عنه، أو أنه أخيرًا يقصد بالسؤال إثارة ضوضاء بخصوص موضوع السؤال تتجاوز فكرة السؤال نفسه، وتهدف إلى شيء آخر غير الإجابة الشافية التي تبدو من ظاهر السؤال.
في الأغلب يكون صاحب هذا النوع من الأسئلة من فئة المثقفين الزائفين كما سماهم المفكر الفرنسي “باسكال بونيفاس” (70 سنة). وقد لفتت نظره تلك الظاهرة (ظاهرة الزيف) فكتب عنها كتابًا هامًا جدًا بالعنوان نفسه، كما سنعرف لاحقًا.
الحاصل أن الموضوع نفسه حالة أخلاقية هامة للغاية في المفهوم الإسلامي كما سبق، والنص القرآني أورد هذا الموضوع بوضوح وحذر منه، وقدمه لنا تاريخيًا بأنه أحد أسوأ سمات بني إسرائيل الذين قدمهم لنا الوحي نموذجًا متكامل الأركان للتمرد والعتو والكبر وكل ما هو سيئ للأسف.
قد كان الصحابة رضي الله عنهم يتحسبون لموضوع السؤال، وكان سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه شديد الانتباه للأسئلة التي تتطلب إجابات تحمل الفرقة والخلاف.
نحن هنا أمام نموذج مثالي للعقل الرشيد، وفي شخصية صاحب العقل نفسه، الذي يعلم كيف يستفيد من هذا العقل ويضعه في موضعه الصحيح في رحلة حياته.
ورغم ذلك كلنا نعلم عن سيدنا عمر أنه كان صاحب المواقف الكبيرة، التي قامت كلها عن طريق حركة العقل الذي أنعم الله عليه به.
في كتابه “المثقفون الزائفون” يذكر لنا المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس في مقدمة الكتاب: “شغلتني فكرة هذا الكتاب منذ وقت طويل، فكم من مرة دهشت وانتابني شعور بالغضب أو الضيق عندما كنت أكتشف في أثناء جدال عام أن خبيرًا نطق بكذبة، وأن هذه الكذبة قد مرت مرور رسالة في البريد.
لا أتكلم هنا عن خطأ بل عن كذب متعمد، يتحمل مؤلفه مسؤوليته في هذه الحالة، والخبير المدعو لإيضاح الأمور للجمهور يخون هذا الجمهور ولا يؤدي بمهمته”.
ويستطرد: “أنا الذي طالما خشيت من ألا أكون واضحًا أو دقيقًا بما فيه الكفاية، أو من ارتكاب خطأ، الذي طالما عاقبت نفسي إذا حدث لي ذلك، يذهلني كل أولئك المثقفين والخبراء، الذين لا يتورعون عن اللجوء إلى حجج مخادعة، وعن إطلاق الأكاذيب من أجل حصد التأييد، وتبدو وقاحتهم وانعدام ذمتهم بلا حدود، وتشكل ورقة رابحة، وبدلًا من مقابلتهم بالاستهجان العام، يقابلون بمزيد من التهليل”.
الكذب الحقيقي يسير على أحسن ما يرام
ثم يضيف: “مرة أخرى لا أتكلم هنا عن أخطاء يمكن لأي من كان أن يرتكبها، غير أن بعضهم يراكمها دون أن يؤثر ذلك بالهالة التي تحيط بهم، الرياضي الذي يسجل أداء سيئًا مرة تلو المرة، قد يستبعد من التصفيات أما المثقف الخبير فقد ينتقل من خطأ إلى آخر دون أن تتوقف دعوته إلى المنصات، لا هبوط على الأرض مجددًا بعد أن توضع في فلك وسائل الإعلام”.
يقسم باسكال هذا النوع من المثقفين إلى مزيفين ومرتزقة
المزيفون الذين يؤمنون بقضية ما لكنهم يعمدون إلى وسائل غير شريفة للدفاع عنها ونصرتها. المرتزقة وهم الأسوأ، لأنهم لا يؤمنون بغير مصالحهم ولذا يتظاهرون بالانتساب لقضية ما ليس من باب القناعة بها ولكن لارتفاع مردودها عليهم.
ويحاول معرفة سبب جرأة هذين الصنفين على الكذب، فيقول إن قول الحقيقة يتطلب مجهودًا كبيرًا من البحث والتحري، وأما الكذب فيحسم الجدل لصالحهم سريعًا، ولا يحتاج إلا إلى الحبكة والجرأة، فما أجرأهم وأغلظ وجوههم!
هذا الصنف من الناس الذين وضعتهم خصائصهم السيئة في مكان لا يجب أن يكونوا فيه، لا بد من تعرية وجوههم الغليظة وكشفهم أمام الرأي العام، ولا يجب أبدًا النظر اليهم والاستماع إليهم في صمت.
لأنهم داء عياء في الحياة العامة، لا يريدون لمجتمعنا وبلادنا خيرًا قط، هم فعلًا مجموعات من الكذبة والمرتزقة، يسممون حياتنا ويشوهونها، ولا يريدون للمجتمع أن يكون متصالحًا متحابًا متوافقًا، موفقًا في دينه ودنياه.
هم لا يريدون لنا أن نُحيي دينًا، ولا أن نعيش دنيا.
مقالات ذات صلة: