علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

حين تمتحن المبادئ

“من الصعب أن يستبق الإنسان الحكم على طبيعته قبل أن يمكّن من منصب أو مال، رذائلنا تخاتلنا تحت أقنعة العجز قبل الوصول، وتأويل القناعات بعد التمكّن”. عبد الله الهدلق

من أيسر الأمور على الإنسان أن يرسم لنفسه صورة مثالية وهو بعيد عن مواطن الاختبار، وأن يتحدث بثقة عن نزاهته وعدله وزهده وهو لم يمنح بعد سلطةً تطاع، ولا مالًا يغري، ولا نفوذًا يفتح له أبواب الرغبات والمصالح.

ففي أوقات العجز تبدو كثير من الرذائل ساكنة، لا لأنها ماتت في النفس، بل لأنها لم تجد طريقها إلى الظهور. ولهذا كان الحكم على المعادن قبل الامتحان (إدخالها في النار) حكمًا ناقصًا، إذ ليست كل فضيلة يراها الناس فضيلةً مكتملة، فقد يكون بعضها محض عجزٍ تزيّا بزي الزهد، أو حرمانٍ لبس ثوب القناعة.

من هنا كانت التربية الحقة لا تقف عند الأقوال والشعارات، بل تنظر إلى الإنسان حين تتبدل الظروف وتتغير المواقع وتصبح القدرة متاحة والفرصة ممكنة. فهناك فقط تتكشف حقائق النفوس، ويظهر الفرق بين من كان مبدئيًا عن اقتناع، ومن كان مثاليًا لأن الواقع لم يمنحه فرصة المخالفة.

لهذا جاءت التجارب الإنسانية والتوجيهات الشرعية متفقة على أن الامتحان الحقيقي يبدأ عند التمكن لا قبله، قال الله تعالى: “أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)” العنكبوت.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

فالزهد ليس أن يزهد المرء وهو لا يملك شيئًا، وإنما أن تكون الدنيا بين يديه ثم يضعها في موضعها الصحيح فلا تستعبد قلبه ولا تشتري ضميره.

والعدل ليس أن يتحدث عنه الإنسان وهو محض من أدوات الظلم، وإنما أن يملك القدرة على البطش ثم يمنعه وازعه الأخلاقي وخوفه من الله.

وكثيرًا ما نرى أفرادًا كانوا يرفعون شعارات صارمة في نقد الفساد والانحراف، فلما آلت إليهم بعض أسباب القوة أعادوا تفسير مواقفهم السابقة، وبدأت التأويلات تتكاثر بشأن ما كانوا يعدونه بالأمس خطًا لا يقبل النقاش.

هنا يتجلى المعنى العميق للحكمة التي تقول: “مصارع الرجال تحت بروق الطمع”، فالطمع لا يهزم الناس غالبًا بالقوة، بل يخدعهم بالتدرج، ويقنعهم بأن ما يفعلونه استثناء مؤقت أو ضرورة عابرة، ثم لا يلبث أن يتحول إلى منهج دائم.

ومن أبلغ الشواهد القرآنية على هذه الحقيقة قصة الرجل الذي عاهد الله أن يكون من الصالحين إن آتاه من فضله، فلما تحقق له ما تمنى تبدلت الحال، وحلت المصلحة محل العهد، وجاءت التبريرات مكان الصدق الأول، قال الله تعالى: “وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)” التوبة.

القصة ليست محض حادثة تاريخية، بل وصف دقيق لآلية نفسية تتكرر في حياة البشر، إذ قد يصدق الإنسان مع نفسه وهو محروم، ثم يكتشف عند الامتحان أن داخله رغبات لم يكن يعرف حجمها، وأن ثباته كان أضعف مما كان يظن، قال الله تعالى: “كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ (6)” العلق، “إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي” القصص:78، “أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ” النازعات:24، “قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ” البقرة:258، “وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً” فصلت:15، “الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ” آل عمران:181.

لذلك فإن أخطر ما يصيب المرء أن يبالغ في الثقة بنفسه، وأن يظن أنه بمنأى عن الزلل مهما تغيرت الظروف. فكم من إنسان دخل مواطن الفتنة وهو يردد: أنا أعرف نفسي جيدًا، ثم خرج منها شخصًا آخر لا يكاد يعرفه من حوله. وكم من خطوة ظنها مأمونة فكانت بداية الانحدار، وكم من كلمة استهان بها فجرّته إلى ما لم يكن يتوقعه.

ومن الناحية التربوية، فإن من أعظم ما ينبغي أن يغرس في النفوس خلق اتهام النفس وعدم الاغترار بها. فالتربية الناجحة لا تربي الإنسان على الشعور بالعصمة، وإنما تربيه على معرفة نقاط ضعفه ومداخل الفتنة إليه.

لهذا كان السلف الصالح أشد الناس خوفًا على أنفسهم مع كثرة أعمالهم، لأنهم أدركوا أن الثبات توفيق من الله قبل أن يكون نتيجة للقدرات الشخصية. والإنسان كلما ازداد علمًا بنفسه ازداد حذرًا من مواطن الشبهات والشهوات، ولم يتعمّد اختبار قوته الأخلاقية في كل منعطف، لأن الحكمة ليست في الاقتراب من الحافة ثم التفاخر بعدم السقوط، بل في تجنب الحافة من الأصل.

فكم من شخص ظن أنه قادر على التحكم في رغباته، ثم اكتشف بعد فوات الأوان أن الوقاية كانت أيسر من العلاج، وأن النجاة كانت أقرب من المجازفة.

إن العاقل لا يثق بنفسه ثقة مطلقة، ولا ييأس منها يأسًا مطلقًا. فهو يعلم أن بينه وبين الخطأ حواجز من لطف الله وتوفيقه أكثر مما هي من قوته الشخصية، ولذلك فمن واجبه نحو نفسه أن يكثر من سؤال الله الثبات والعون والسداد.

وإذا رأى مبتلى لم يبادر إلى التعالي عليه، بل يشكر الله على العافية ويسأله دوامها، لأنه يعلم أن الفارق بينه وبين كثير ممن سقطوا في الامتحان قد يكون ظرفًا لم يمر به بعد، أو امتحانًا لم يعرض عليه إلى الآن.

لهذا كان من الحكمة أن يخفف الإنسان من غلواء إعجابه بنفسه، وأن يستبدل بالثقة المفرطة المراقبة والمحاسبة، وأن يستبدل بالاغترار الدعاء.

فالمبادئ لا تُعرف حقيقتها في أوقات السلامة، وإنما تُعرف حين تتزاحم الشهوات والمصالح، وحين يصبح الانحراف ممكنًا والثبات مكلفًا. هناك فقط يظهر صدق الإنسان مع ربه ومع نفسه، وهناك فقط يُعرف من كان يحمل المبادئ حقًا، ومن كان يحمل صورتها فحسب.

مقالات ذات صلة:

الانحراف السلوكي عن القيم الأخلاقية

مدى تشكيل القيم والمبادئ الإنسانية لسلوك الفرد

القيم بين التغير والثبات

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. يحيى أحمد المرهبي

أستاذ أصول التربية المساعد كلية التربية والعلوم التطبيقية والآداب – جامعة عمران. الجمهورية اليمنية.