مقالات

خرافة قالتها كل إمبراطوريات التاريخ

بمناسبة مرور 250 سنة على تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية واحتفالات الرابع من يوليو

أولًا

في غضون  الـ250 سنة، تطورت صورة ما يسمى الحلم الأمريكي (the American dream) وأرض الفرص والنجاح (land of opportunities)، تغيرت أربع مرات، وما تراه أنت الحلم الأمريكي غالبًا يختلف عن الواقع اليوم!

الحلم الأمريكي في القرن التاسع عشر كان أن ينطلق رجل أبيض فقير من أوروبا، يهاجر هربًا من اضطهاد الأغنياء والحكام في أوروبا، ليبحث عن فرصة، ويجدها في صورة الحصول على أرض يملكها، أو شركة يؤسسها، أو تجارة ينجح فيها في الأرض الجديدة البكر.

الحلم الأمريكي في أول القرن العشرين تغير، وأصبح أن يهاجر أوروبي من بلاد أوروبا الفقيرة، مثل أيرلندا وإيطاليا، إلخ، يهرب من بلاد أوروبا التي دمرتها الحرب العالمية الأولى والثانية، ليبحث عن فرصة عمل في مؤسسة كبيرة أو مصنع في الولايات المتحدة الأمريكية.

الحلم الأمريكي في منتصف القرن العشرين أصبح أن يعود الجندي الأمريكي الذي حارب في سبيل انتصارات الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية، بعد أن خدم بلاده، ليجد فرصة عمل ويشتري بيتًا وسيارة وأجهزة كهربية، وأسرة لديها عدد كبير من الأبناء، ويستمتع بالرخاء بقية عمره.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

الحلم الأمريكي اليوم أن تكون رجل أعمال ناجح، وتصبح واحدًا من أعضاء نادي الأغنياء فاحشي الثراء وشبكة علاقاتهم في بورصة نيويورك أو وادي السليكون أو هوليوود، أن تكون مثل دونالد ترامب وإيلون ماسك وستيف جوبز، غني فوق القانون، فاحش الثراء، لديك شركات ويعمل في خدمتك آلاف من العبيد الذين توظفهم بأموالك وعلاقاتك وفريق المحامين التابع لك الذي يتلاعب بالقوانين والأحكام لصالحك ويحرك الإعلام لتلميع صورتك

ثانيًا

الولايات المتحدة الأمريكية تكونت بأن قررت مجموعة من المستعمرات الإنجليزية يعيش فيها مستعمرين أغلبهم إنجليز، الانفصال والتمرد على البلد الأم، إنجلترا، لأنهم لا يريدون دفع الضرائب لإنجلترا، ويريدون استعمار مزيدٍ من الأراضي وقتل مزيد من السكان الأصليين واستعباد مزيد من الأفارقة السود دون تعطيل من إنجلترا ولندن!

ظلت الولايات المتحدة الأمريكية محض بلد محلي متقوقع على نفسه معزول يهتم بشؤونه الداخلية ومشاكلة المعقدة لمدة 100 سنة.

إلى ما بعد الحرب الأهلية الأمريكية، في آخر القرن التاسع عشر، حين حاربت الولايات الأمريكية بعضها بعضًا. وقتل الأمريكيون من أنفسهم ما يقرب من 3 إلى 4 ملايين إنسان مع دمار واسع لأغلب الولايات!

كانت حربًا بشعة مدمرة، وبعد توحيد الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت مراحل التوسع، السيطرة على ما حولها، في أول القرن العشرين.

ثم بداية تحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى قوة عظمى تسيطر على أوروبا والقوى القديمة مع الحروب العالمية الأولى والثانية.

وانتقال أغلب ثروات أوروبا وعقولها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، الثروات التي ظلت تنهبها أوروبا من مستعمرات إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية طوال القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي.

يعني نجاح الولايات المتحدة وأنها صعدت وأصبحت قوة عظمى ومثال جميل غني قوي ينظر العالم إليه في أوائل القرن العشرين، من 100 سنة، وليس من 250 سنة!

قبلها كانت قصة أرض فارغة فيها مستعمرون ومستوطنون، وإبادة للسكان الأصليين، وصراعات داخلية، لا تختلف كثيرًا عن قصة البرازيل أو الأرجنتين أو المكسيك أو كندا!

ثالثًا

اليوم تجد العنصرية تقتل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.

المهاجرون من بلاد غير أوروبية والمهاجرون غير المسيحيين مجتهدون، يعلمون أولادهم تعليمًا جيدًا، ويضحون في سبيل تربية أولادهم، ويدخلون الجامعات ويتخرجون لبناء شركات واختراعات وإنجازات، ويحافظون على أسرتهم وترابطهم الأسري وإنجاب الأبناء.

في حين الأبيض العنصري يعد أن مقومات نجاحه أن جلده لونه أبيض ويتحدث الإنجليزية ويتفاخر بتاريخ قديم لم يشارك فيه، فيضيع عمره في الحانات والمغامرات الحمقاء، والطلاق عدة مرات، وينتهي في وظيفة منخفضة وتعليم منخفض وحياة فاشلة غارقة في الديون والمشكلات، والحقد على المهاجرين المجتهدين الناجحين.

الخلاصة

القصة الرومانسية للحلم الأمريكي تتغير، تتغير بسبب تغير ثقافة الشعب الأمريكي والأوروبي التي يحركها الإعلام والظروف وأحيانًا الصدفة، وليس بسبب الحكام والحكومات.

دخول الولايات المتحدة الأمريكية في صراعات فاشلة وحروب عبثية في الشرق الأوسط دون أي فائدة لها في الـ20 سنة الأخيرة، وما يسمى الحرب على الإرهاب والتطرف والإسلام، فقط لخدمة إسرائيل، يدمر مستقبل هذا البلد، ويضيع طاقاته في الصحراء، في حين تصعد قوى أخرى عديدة مثل الصين والهند وغيرها.

خرافة أن الولايات المتحدة الأمريكية بلد استثنائي خارق لم يتكرر في التاريخ، خرافة قالتها كل إمبراطوريات التاريخ، الرومان والفراعنة والعباسيون والعثمانيون والتشينج والمغول، إلخ، وكلهم انتهوا، وهو المصير الحتمي نفسه لأي قوة وإمبراطورية، سنة الله في الكون صعود وهبوط.

القصة الرومانسية للولايات المتحدة فيها كثير من التفاصيل غير الحقيقية، والمبالغات، وكما تحمل كثيرًا من قصص النجاح، تحمل أكثر بكثير قصصًا من الفشل والتعاسة والدمار.

مقالات ذات صلة:

ماما أمريكا

غروب الإمبراطوريات .. لماذا لا بد أن تغرب شمس أمريكا؟!

القوة الصامدة .. والقوة الغالبة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس