استراتيجيات المعاملة الوالدية: نموذج الأربعة (سي) في تحقيق الهناء النفسي للطفل

أولًا: تعريف نموذج الأربعة سي في الوالدية أو التربية الوالدية
لا ريب في أن الهدف المركزي للتنشئة الاجتماعية وفعل التعليم والتعلم ضمان إيصال الأطفال إلى ما يمكن تسميته بر الأمان النفسي، وربما يعبر عن ذلك بتمكينهم من اكتساب مقومات تحقيق الهناء النفسي في الحياة، ودفعهم باتجاه امتلاك زمام ذاتهم والاقتدار في الحياة صناعةً لمستقبلهم وتمكنًا من مجابهة ما قد تلقيه عليه الحياة من مشاق وعنت ومخاطر وتحديات، علاوة على تعلم أساليب حياة سوية مثمرة واكتسابها.
ووفقًا لنتائج مسح علمي في إطار ما يعرف بمشروع عقول الفتية (Young Minds Matter) أجري في عام 2014 يعاني ما يقرب من (1) من كل (7) أي (13,9%) من الأطفال مشكلات في الصحة النفسية، وهذا يعني أن ما يقرب من (3.5) مليون طفلًا أمريكيًا بناءً على عدد سكان الولايات المتحدة لعام 2020 يعانون اضطرابات نفسية إكلينيكية.
وتجدر الإشارة إلى أن الآباء يمثلون مركز الثقل في إمكانية تنمية وتعزيز الصحة النفسية والعقلية والانفعالية للأطفال، ويمثل ما يطلق عليه اصطلاحًا “نموذج الأربعة سي” مدخلًا مهمًا لتحقيق الهناء النفسي والهناء الانفعالي للأطفال.
ويرتكز نموذج الأربعة سي في التربية الوالدية على عدد من المبادئ تتمثل في: الرعاية (Care)، الاتساق (Consistency)، الاختيارات (Choices)، والتداعيات (Consequences). يمكن بموجبه المساعدة في تلبية وإشباع الاحتياجات النفسية والجسمانية والاجتماعية والذهنية للأطفال ومن ثم عده أساسًا قويًا لتحقيق الهناء النفسي في الحياة.
وفيما يلي تناول لهذه المبادئ:
تعرف على: علاقة الأسرة بالبناء الفكري للطفل؟
الرعاية (Care): قوامها إبداء التقبل والتواد للأطفال عن طريق ما يلي:
- تكوين مساحة للتحدث مع طفلك بتقبل وتفهم ودون إسقاط أحكام عليه عن مشكلاته.
- إظهار التواد والتهدئة لطفلك باحتضانه، تقبيله، الثناء عليه، التشجيع.
- تأسيس أفعالك على الحب والرعاية مثل: “لن أكون أمًا جيدة إذا سمحت لك بتناول كمية كبيرة من الحلويات”.
- تنمية الذكاء الانفعالي لدى طفلك وتعزيزه عن طريق تعليمه تسمية انفعالاته وربطها بأسبابها.
- العمل على تنمية التعاطف وتقويته وتعزيزه عن طريق اتخاذ منظور الآخر.
- أن تكون متاحًا لطفلك وأن تعمل على تفهم احتياجاته الطبيعية المشروعة وتقبلها وأن تلبيها وتشبعها على نحو سوي، ودفعه باتجاه التحقق من كل ما يحدث حوله والوعي به وننجز ذلك عن طريق استراتيجيات التعليم، حل المشكلة، تقديم التوجيه، والمساعدة العملية.
الاتساق (Consistency): بتوفير بيئة تفاعل آمنة تزرع في الأطفال الثقة بأنفسهم، ويكون ذلك عن طريق:
- كن واضحًا ومتسقًا وثابتًا في اتجاهاتك، توقعاتك وتطبيق ما يعرف باستراتيجية تداعيات الأفعال، إذ إن هذا الأمر يساعد على إقامة روابط بين سلوكيات الأطفال، والأشخاص والعالم من حولهم.
- إذا كنت لا تستطيع أن تكون متسقًا فابذل قصاري جهدك لشرح سبب عدم ثباتك.
- من المهم أن كلا الوالدين متسقان في معاملة أبنائهم في ضوء فهم مشترك.
- الاعتراف بعدم اليقين لمساعدتهم على فهم مشاعرهم وردود أفعالهم، والتأكيد لهم على أن بعض الإجراءات الروتينية (ضمن السيطرة) ستظل كما هي، على سبيل المثال: “الشعور بعدم الارتياح بسبب ما يحدث في العالم أمر طبيعي، لكننا هنا من أجلك. سنظل نتوقع منك القيام بالأعمال المنزلية والدراسة، حتى لو لم تتمكن من الذهاب إلى المدرسة.
- من المهم أن تكون علاقاتك الحوارية بينك وبين شريك حياتك الخاصة بالأبناء على انفراد وعدم تعريض الأطفال لمخاوف البالغين وضغوطاتهم خصوصًا في أوقات المشقة والصعوبة.
اقرأ أيضًا: التربية مهمة تحتاج إلى انتظار
الاختيارات (Choices): مساعدة الأطفال في الاستقلالية والاعتماد على أنفسهم (autonomy)، وتعلم مهارات صنع القرارات الحياتية (decision-making skills):
- توفير الخيارات المتاحة لأطفالك، على سبيل المثال: “يمكنك إما الحصول على فطائر الآن، أو إذا انتظرت 10 دقائق، يمكنك الحصول على ثلاثة”.
- مساعدة الأطفال على فهم أن التجنب أو عدم اتخاذ إجراء أيضًا خيار، لا يساعد عادةً في حل السبب الجذري لمشكلاتهم، على سبيل المثال: المماطلة لا تساعدهم على الاستعداد للامتحان وربما تزيد من التوتر على المدى الطويل. يمكنهم كتابة فصل من الملاحظات كل يوم بدلًا من ذلك.
- عند الاقتضاء شرح كيفية الدخول في مخاطر محسوبة أو توضيحها والسماح للأطفال بحرية ارتكاب الأخطاء الصغيرة، مع التركيز على التعلم والمرونة إذا لم تنجح الأمور.
التداعيات (Consequences): يعني تطبيق التداعيات التي تقول إنك ستفعلها، سواء كانت إيجابية أو سلبية، ويمكن أن يأتي هذا في صورة مكافآت أو عقوبات. بعض التطبيقات تشمل:
- أولًا اجعل التوقعات من السلوكيات واضحة، على سبيل المثال: قد يكون “الوقت المستقطع” مربكًا للأطفال الصغار إذا لم يعرض عليهم عبارة “نظف غرفتك” وهي تعني إعادة ألعابهم جميعها إلى صندوق الألعاب، على أن يقترن ذلك تقديم اقتراحات “إيجابية” توجه السلوك المناسب. على سبيل المثال: بدلًا من “لا تقف”، يمكنك أن تطلب منهم “الجلوس من فضلك”.
- اربط السلوكيات بعواقبها، على سبيل المثال: “يمكنك التحدث معي بأدب بخصوص تناول الآيس كريم، لكن إذا اخترت الاستمرار في الصراخ، فسيتعين عليك الذهاب إلى غرفتك ولن يكون هناك آيس كريم لك”.
- يجب تقديم التعليقات في أقرب وقت ممكن من السلوك غير المرغوب فيه، والتأكيد على سلوكيات طفلك بدلًا من تصنيف شخصيته. على سبيل المثال: “لقد فعلت شيئًا لطيفًا/غير سار”، بدلًا من “أنت سيئ”.
- إن تشجيع جهود الأطفال والاستراتيجيات التي يستخدمونها، بدلًا من قدراتهم، وربطها بالعواقب الإيجابية للتعلم والتقدم يساعد على تطوير عقليات النمو، التي يمكن أن ترتبط بالمرونة والصمود والهناء النفسي. على سبيل المثال: “أحسنت، لقد أوليت كثيرًا من الاهتمام وجربت حلولًا مختلفة، مما ساعد في معرفة الإجابة!”.
اقرأ عن: علاج مشكلة إساءة معاملة الأطفال
ثانيًا: أساليب تربية والدية غير مفيدة (Unhelpful parenting styles).. ثلاثة أمثلة:
نستطيع تطبيق نموذج الأربعة سي في التربية الوالدية بنوايا حسنة، ومع ذلك وفي بعض الأحيان ورغم هذه النوايا الحسنة يوجد عدد من أساليب الوالدية غير المفيدة وربما السيئة، منها ما يلي:
الوالدية الطوافة أو الحوامة أو الهيلوكوبتر (Helicopter parenting):
يمثل توجه الآباء للمراقبة والمتابعة التامة لأبنائهم مع تحكمهم في كل شأن من شؤون حياة هؤلاء الأطفال تحت ادعاء أنهم يرغبون في مساعدتهم على النجاح. رغم أن التوقعات والجداول الزمنية العالية يمكن أن تساعد الأطفال على التفوق، فإن التوقعات العالية للغاية، والتعريف الضيق لـ”النجاح” والتركيز على النتائج والأسلوب الاستبدادي يمكن أن يؤثر على احترام الأطفال لذاتهم، وبناء عليه على صحتهم النفسية الآن ولاحقًا في الحياة.
الوالدية البلدوزر (Bulldozer parenting):
إذ يزيل الآباء العوائق والضغوطات كافة عن أطفالهم لضمان سلامتهم وتقليل المصاعب، وفي حين نريد لأطفالنا أن يشعروا بالراحة إلى حد ما فإن المبالغة في ذلك لا يسمح لهم بتطوير الاستقلالية، أو مهارات التأقلم، أو التعرف على المخاطر والعواقب، وهي المهارات الأساسية للحياة.
الوالدية المهملة أو غير المندمجة (Negligent or uninvolved parenting):
تتعلق بإهمال الآباء لأبنائهم وعدم تلبيتهم لاحتياجات الأبناء الجسمانية أو الانفعالات أو الاجتماعية أو العقلية مما يعرض الأبناء لمخاطر معاناة المشكلات النفسية والاجتماعية.
المصدر:
Eddy Chiu (2020). Parenting strategies: The 4C’s for child mental well-being
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا