حين تصبح الحقيقة امتحانًا

صدق من قال: “إن أفضل شيء يستطيع الإنسان عمله بعد اكتشاف الحقيقة هو الرجوع عن الخطأ”.
القيمة الحقيقية للمعرفة لا تكمن في محض اكتشاف الصواب، وإنما في القدرة على الانحياز إليه حين يظهر، ولو استلزم ذلك مراجعة المواقف السابقة أو الاعتراف بالوهم الذي عاشه المرء زمنًا (فالجهل طول الزمان عيب).
وليس التراجع عن الخطأ هزيمة كما يتصور بعض الناس، بل انتصار للعقل على الهوى، وللضمير على العناد، وللحق على نوازع التمركز حول الذات. فالإنسان لا يقاس بمدى عصمته من الخطأ، وإنما بقدرته على تصحيحه متى تبين له وجه الصواب.
ومن هنا كان الرجوع إلى الحق فضيلة أخلاقية وعلامة على نضج الشخصية وسلامة البصيرة، لأنه يعكس استعدادًا صادقًا لتقديم الحقيقة على المكاسب النفسية والاجتماعية التي قد يوفرها التمسك بالخطأ.
ومن المؤسف أن بعض الناس يقفون عند عتبة الحقيقة دون أن يدخلوها، يرونها واضحة ثم يواصلون السير في الاتجاه المعاكس لها. هنا تتحول المعرفة من نعمة إلى حجة عليهم، لأن المشكلة لم تعد في الجهل، بل في رفض مقتضى العلم.
فالنفوس قد تستثقل الاعتراف بخطئها خوفًا على مكانتها أو حفاظًا على صورة رسمتها لنفسها أمام الآخرين، فتقع فيما عبّر عنه القرآن بقوله: “سمعنا وعصينا”. ولهذا فإن أخطر أنواع الخطأ ليس الخطأ الناتج عن نقص المعرفة، بل الخطأ الذي يستمر بعد اكتمال المعرفة.
فالأول يمكن علاجه بالتعليم، أما الثاني فيحتاج إلى تهذيب النفس وتحريرها من أسر الكبرياء والتعصب. وما أكثر الذين أضلهم الجهل، وما أقل الذين أهلكتهم المعرفة، إذ رأوا الحق جليًّا ثم آثروا مخالفته، وعرفوا الصواب ثم أبوا الانقياد له.
ومن التأمل في هذا المعنى يتبين لنا أن الإصرار على الخطأ بعد ظهور الحقيقة ليس أزمة معرفة بقدر ما هو أزمة نفس وتربية ووعي. فالإنسان قد يجهل فيعذر، لكنه حين يعلم ثم يرفض الانقياد لما علم، يصبح أسيرًا لكبريائه أو لمصالحه أو للصورة التي صنعها لنفسه أمام الناس.
ومن هنا كانت شجاعة المراجعة من أندر الفضائل، لأنها تتطلب الانتصار للحقيقة على حساب الهوى، وتقديم الصواب على محض الرغبة في الظهور بمظهر المصيب دائمًا.
لذا فإن التربية الحقيقية ليست أن يتعلم الإنسان كيف يكون معصومًا من الخطأ، فهذا متعذر، وإنما أن يتعلم كيف يكون وفيًّا للحقيقة كلما ظهرت له، وأن يدرك أن الرجوع إلى الحق ليس تراجعًا عن الكرامة، بل ارتقاء بها، وأن أعظم الانتصارات ليس أن تنتصر لرأيك، بل أن تنتصر للحق ولو كان على حساب رأيك، “فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل”.
مقالات ذات صلة:
«زينون» يُرشد أتباعه إلى بابي الحقيقة والباطل
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا