علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

من المقاييس الورقية إلى الذكاء الاصطناعي

ثورة هادئة تعيد تشكيل علم القياس النفسي والتربوي

لم يكن بناء المقياس النفسي أو التربوي في السابق مهمة عابرة أو سريعة التنفيذ، بل كان مشروعًا بحثيًا متكاملًا يمتد لأسابيع وربما لأشهر، يبدأ من التأسيس النظري الدقيق للمفهوم المراد قياسه، مرورًا بمراجعة الأدبيات والمقاييس السابقة، ثم صياغة بنود أولية تعكس أبعاد السمة المستهدفة، يعقبها عرض تلك البنود على المحكمين للتأكد من صدق المحتوى، ثم الانتقال إلى مرحلة التحليل الإحصائي لاختبار الصدق والثبات والتحقق من البنية العاملية، وصولًا إلى الصورة النهائية للمقياس. هذا المسار التقليدي، رغم دقته العلمية، كان يتطلب جهدًا بحثيًا كثيفًا ووقتًا طويلًا قد يتجاوز ستة أشهر في الحد الأدنى، مع ما يصاحبه من تكرار المراجعة وإعادة الصياغة والتنقيح.

أما اليوم، ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى ساحة البحث التربوي والنفسي، حدث تحول جذري في “سرعة الإنتاج البحثي”، إذ أصبح بالإمكان توليد بنود مبدئية لمقياس كامل في دقائق معدودة، وصياغة أبعاد نظرية متسقة، بل وحتى اقتراح نماذج لتحليل الصدق والثبات على نحو شبه فوري. فعلى سبيل المثال، إذا أردنا بناء مقياس للقلق الامتحاني لدى طلاب المرحلة الثانوية، يمكن للأنظمة الذكية أن تقترح أبعادًا مثل القلق المعرفي، والاستثارة الفسيولوجية، والتجنب السلوكي، وتولد لكل بعد عشرات العبارات بصياغات متنوعة تراعي الفروق اللغوية والثقافية، مثل: “أشعر بتسارع ضربات قلبي قبل الامتحان” أو “أؤجل مراجعة المواد الدراسية خوفًا من الفشل”. ولم يعد الباحث يبدأ من الصفر، بل يبدأ من “مسودة ذكية” جاهزة للتنقيح والتحكيم.

غير أن هذا التحول، رغم إغراء سرعته وكفاءته يطرح تحديًا جوهريًا يتعلق بجودة البناء العلمي وعمق الفهم النظري، فالذكاء الاصطناعي قد ينتج وفرة في البنود، لكنه لا يضمن وحده الدقة المفاهيمية أو الحساسية الثقافية أو الاتساق البنائي. وهنا يتغير دور الباحث من “منشئ للمقياس” إلى “مدير جودة علمية” يقوم بفلترة ما ينتج، وإعادة ضبطه وفق الإطار النظري، والتأكد من أن كل بند يخدم البناء الكامن وليس محض صياغة لغوية جذابة.

وفي مجال علم النفس التربوي تحديدًا يمكن تخيل استخدامات أكثر تقدمًا، مثل بناء مقاييس فورية لقياس الدافعية للتعلم في أثناء الحصة الدراسية، أو تطوير أدوات تكيفية تقيس استراتيجيات التعلم الذاتي لدى الطلاب الجامعيين بناءً على بيانات سلوكية آنية، أو حتى تصميم بنوك بنود ضخمة تستخدم في الاختبارات المحوسبة التكيفية. وفي هذه السيناريوهات لا يصبح الزمن عائقًا بل يصبح التحدي الحقيقي هو “الحوكمة العلمية للذكاء” وليس إنتاجه.

وعلى ضوء ذلك فإننا أمام مرحلة انتقالية دقيقة من اقتصاد البحث البطيء عالي الدقة إلى اقتصاد البحث السريع عالي الإنتاج، وفي هذه المرحلة بالذات تظهر الحاجة إلى إعادة تعريف معايير الجودة السيكومترية، بحيث لا يقاس المقياس فقط بعدد خطوات بنائه بل بمدى صلابة منطقه البنائي وشفافية تطويره، وقدرته على الصمود أمام التحليل الإحصائي الصارم. وبعبارة أخرى، يمكن القول بأن الذكاء الاصطناعي لم يلغ دور الباحث بل رفع سقف التوقعات منه، فلم يعد المطلوب محض إنتاج مقياس، بل إنتاج مقياس يمكن الدفاع عنه علميًا في مواجهة سرعة الذكاء الاصطناعي نفسه.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

مقالات ذات صلة:

التكامل بين الذكاء الاصطناعي والأساليب السيكومترية

تعريب العلوم

الهلوسة الرقمية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

ا.د. هشام الخولي

أستاذ القياس والتقويم النفس التربوي كلية التربية – جامعة السويس رئيس قسم علم النفس التربوي