فلنسافر الآن معًا يا صديقي!

السفر لدى بعضنا حلم ولدى بعضنا الآخر مشقة ومعاناة، ولدى بعضنا واقع لا مفر منه لتستمر الحياة رغم غربته ووحشته وقسوته، ولدى بعضهم متعة وراحة وتجوال ورفاهية.
لكني اليوم لا أقصد السفر بمعانيه المباشرة، بل أتناول سفرًا من نوع آخر لا يتحقق عبر طائرة أو سفينة أو ناقلة أو حتى على قدمين لمن آثر السفر تجوالًا، بل سفر عبر الذات، وأقصد به “تلك الرحلة الإجبارية الطويلة التي يقطعها المرء في أعماق ذاته”، متنقلًا عبر محطات الزمن الغابر متأملًا ومحللًا ومراجعًا ليقف موقف “المحاور الصامت” مع الذات متسائلًا في حيرة: “وماذا بعد؟!”.
سفرنا عبر ذواتنا سفر جميل، إذ نتأمل منه الماضي من شرفات واسعة تطل على محيط الذكريات متلاطم الأمواج، تلك الأمواج التي رسّخت في قلوبنا رصيدًا لن ينضب من الحب والغل والحقد والكراهية والوفاء والامتنان في خليط مربك محير نستمتع بتلاطمها بين الفينة والأخرى!
سفرنا الطويل عبر ذواتنا رحلة شاقة فيها نبذل جُل جهدنا لفتح أقفال قتلها الصدأ، وكسر أبواب موصدة نصبت من فولاذ ناري غير قابل لإرادة العبور، فإذا بنا نكسرها ونعبرها لنجد أنفسنا أمام سطوة الحقائق البشعة التي طالما هربنا منها عبر سني حياتنا الطويلة، مستسلمين للبكاء المرير حزنًا على ما ضاع منا وما ضيعناه بغبائنا وما ظنناه– يومًا ما –حقيقة وهو سراب، ثم نبتسم فرحًا بمتعة الإدراك المتأخر، فأن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أصلًا وتلك متعة لا تقدر بثمن.
سفرنا الطويل عبر ذواتنا رحلة شاقة فيها نقلب صفحات طويناها قهرًا واختيارًا، بعضها صفحات ناصعة البياض وبعضها صفحات كحلها السواد، وما بين “إرادة الطي وجبريته” تقف نفوسنا حائرة أمام سطوة الحقيقة، متأرجحة بين شقي الرحى استسلامًا لواقع كشفته المرآة أمام أعيننا بلا رتوش بلا تجمل بلا قيود، وتلك متعة أخرى من متع السفر الجميل.
سفرنا الطويل عبر ذواتنا رحلة كاشفة لطيبة قلوبنا وسذاجتها التي آمنت يومًا ما “بالنقاء” عنوانًا للحياة، وكاشفة أيضًا لغباء قلوبنا التي أوردتنا موارد الهلاك، وما بين غباء قلوبنا ونقائها نقف مستمتعين برحلة البحث عن هويتنا الضائعة التي وجدناها متأخرين بعد فوات الأوان، وتلك –رغم قسوة الإدراك المتأخر –متعة أخرى من متع السفر الجميل.
فلسفة السفر في أعماق ذواتنا فلسفة جميلة ممتعة، رغم قسوتها فهي تبقى رحلة العمر التي لن نقطعها سوى مرة واحدة، فهنيئًا لمن استقلوا قطار هذه الرحلة وهنيئًا لمن تعلموا من أخطاء الماضي وهنيئًا لمن قهروا قيود ذلهم وتحرروا من براثن أوهامهم ليروا النور من جديد مشعًا في أعماق ذواتهم التي رضخت سنين طويلة تحت وطأة الجهل والذل والسذاجة والغباء.
فلنسافر الآن معًا يا صديقي!
مقالات ذات صلة:
الانضباط الذاتي: حين يملك الإنسان نفسه
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا