الدلالات الأخلاقية والاجتماعية والنفسية في فلسفة الحج

في مثل هذه الأيام المباركة من كل عام من شهر ذي القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة تتوجه الأنظار وتهفو القلوب وتحن إلى بيت الله الحرام.
وتلهج الألسنة بالأدعية أن يكتب الله لنا حج بيته المعظم وأداء فريضة الحج المكرم، والتلبية والطواف والوقوف بعرفات الله، لعل الله تعالى يتعطف علينا بنظرة رضى لا نشقى بعدها أبدًا.
لكن السؤال الذي أطرحه وسأجيب عنه إن شاء الله: ما الدلالات الأخلاقية والاجتماعية والنفسية في تأويل قول الله تعالى: “وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ” الحج (27)؟
تعالوا معي لنتناقش في الأمر: وأذّن في الناس، الله تعالى يأمر سيدنا إبراهيم (عليه السلام) بعد أن انصاع إلى أمر الله وبنى البيت الحرام عظمه الله تعالى، يأمره الله تعالى أن ينادي في الناس أنه تعالى بنى بيتًا ويأمركم أن تحجوا إليه.
سؤال إبراهيم (عليه السلام) لربه لم يكن سؤالًا استنكاريًا، وإنما سؤال استفهامي: كيف يا رب أبلغهم؟ قال: عليك النداء، وعلينا البلاغ.
إذًا الدلالة الأخلاقية الأولى: السمع والطاعة، فمنهجنا الاتباع وليس الابتداع، والاتباع يتمثل في قوله تعالى: “وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۚ” الأحزاب (2).
اتباع عن اقتناع والشاهد: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ”، واطمئنان القلب إنما هو هدوء وسكينة للعقل.
الدلالة الأخلاقية الثانية: التخلي، بمعنى أن يتخلى الإنسان عن كل ما هو موبق، ويترك الدنيا بما فيها علي ما فيها، يترك عمله وماله وولده وزوجه، ويتجه قلبًا وقالبًا، يتجه بكليته إلى الله، رافعًا شعار: “وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)” الصافات.
يتخلى عن الصفات المذمومة كلها الصفات البشرية من شهوة مأكل ومشرب، مطهرًا نفسه من أدران الجسد البالي الفاني، ثم يتحلي بصفات الجمال والجلال والبهاء والطهر والصفاء كلها.
لماذا؟ لينال الحظوة والقبول ويتجلى عليه الإله بالعفو والغفران، ويغتسل بماء الحب، فيعود كيوم ولدته أمه صفحة بيضاء. فيتعامل مع بني جلدته بالأخلاق الكريمة، ولم لا؟ وقد غسله الله تعالى بماء الود والوداد.
الدلالة الأخلاقية الثالثة: في حديثه القدسي جل وعلا: “إنَّ اللهَ تعالى يُباهِي ملائِكتَهُ عشِيَّةَ عرَفةَ بأهلِ عرَفةَ، يقولُ: انظُروا إلى عبادِي، أتوْنِي شُعْثًا غُبْرًا”.
في هذا المشهد المهيب تتجلي كل صفات التواضع: ليس فرق بين غني وفقير، غفير ووزير، الكل يرتدي إزارًا واحدًا، الكل يسوده الحب، الجميع يرفع يده إلى الكبير المتعال تفيض كل العيون بالدموع، تذوب وتنصهر المناصب، لا عنصرية، لا فروقات طبقية.
الكل يصافح الكل، الجميع يقول في نداء تتزلزل له الجبال والسموات: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”، إقرار بالعبودية للواحد الأحد.
الدلالة الأخلاقية الرابعة: التعاون بين الناس، انظروا بعين الاعتبار إلى هذا المشهد: السيدة العجوز، الشيخ المسن الهرم يحملهما الشباب على الأعناق، أو يؤجرون لهم الكراسي المتحركة، أو يخدمونهم في خيام الحجيج، ليس هذا وحسب بل يوفرون لهم كل ما يحتاجونه أيضًا.
وإذا لا قدر الله ضلوا الطريق يصلون بهم إلى ذويهم وأماكن إقامتهم، أي جمال بعد هذا؟!
الدلالة الأخلاقية الخامسة: ما الذي حمل هؤلاء وهؤلاء من أرجاء المعمورة كافة وتحملهم مشقة السفر وتحملهم غلو النفقات؟!
يا سادة إنه الحب لله تعالى، ما أروعها قيمة الحب، الحب لله والحب في الله، أليست هذه القيمة روح الفكر الأخلاقي؟ المحبة التي دعى إليها الله تعالى: “قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31)” آل عمران.
أليست المحبة طريق لتحقيق السلام بين الشعوب؟!
الإجابة واضحة بذاتها، نعم والأنبياء والمرسلين كلهم دعوتهم السلام، وكل المصلحين والمفكرين والباحثين في الأخلاق بغيتهم نشر المحبة بين الناس.
أما الدلالة الاجتماعية وهي جد مهمة، فالإنسان مدني بطبعه يحب العيش في جماعة، وينفر من حياة العزلة، ويحب أن يستأنس بالآخر ويحب أن يستأنس به الآخر.
فما بالكم بهذا المشهد الرهيب: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ” الحجرات (13).
وفي موسم الحج الكل مع الكل سواء، الناس أمام الله سواسية، جمعهم الله في صعيد واحد ومكان واحد، ليقول لهم الله تعالى: “إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)” الأنبياء.
فالكل يتعارف ويتصافح، الغربي، الشرقي، الإفريقي، الآسيوي. بل ويأخذون عناوين بعضهم ويتواصلون هاتفيًا بعدما يعودون إلى أوطانهم.
أليست هذه الرحلة المباركة دعوة للعيش في جماعة؟ دعوة للأخوة الإنسانية، دعوة للإخاء، دعوة للمواطنة، الوطن واحد، والإله واحد.
أما الأبعاد النفسية في تأويل هذه الآية الكريمة: تهذيب النفس وتربيتها وترويضها على الفضائل واقتنائها، والعمل على تجنبها الرذائل سواء في الحج أو عند العودة.
ففي الحج منع الله تعالى الجدال فلا جدال في الحج، ولا رفث ولا شهوة ولا فسوق ولا سباب ولا شتم في الحج.
أليس ذلك تهذيب للنفس التي إذا ما هُذِّبت هبت عليها الهبات الصفائية ومنحت اللطائف الربانية وعادت كيوم ولادتها؟! فمن حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
بل وينعكس ذلك على مجتمعه الذي يعيش فيه، فيتعامل مع الناس بصفاء ونقاء، ويكون ربانيًا في صفاته وفي خصاله وفي شؤون حياته كلها، إلى أن يلقى الله تعالى بقلب سليم.
ما أجملها من رحلة! كتبها الله تعالى لكل مشتاق.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا