مقالات

العالم يحتاج إلى اقتصاد يجمع بين المال والأخلاق

هذه قصة حقيقية ومن المتوقع أن تتزايد وتنتشر في بلاد العالم كلها.

السيد (م) كان يحلم بأن يفتح لنفسه مشروعًا صغيرًا، مطعم وقهوة، فتح المشروع العام الماضي. وظّف ثلاثة أشخاص لتحضير الطلبات وتقديمها للزبائن (الثلاثة من حاملي المؤهلات المتوسطة، دبلوم ومعهد وطالب ثانوية عامة).

لكن بفضل توفر الذكاء الاصطناعي، لا يحتاج إلى التعامل مع محاسب، لأنه يدخل على أدوات الذكاء الاصطناعي لمساعدته في عمل الحسابات (سواء ديب سيك أو جيميناي، إلخ)

مطلوب من السيد (م) أن يملأ بعض الاستمارات القانونية للتسجيل والتعامل مع جهات حكومية، لم يتوجه إلى محامٍ، استعان بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وأنجز المهمة على أكمل وجه.

شعر السيد (م) بتعب بسيط، تعب لا يحتاج إلى جراحة، بدلًا من تضييع وقته وأمواله في المستشفيات وعيادات الأطباء، سأل الذكاء الاصطناعي وحصل على الإجابة، وتعافى والحمد لله.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

أولاد السيد (م) لا يحتاجون دروسًا خصوصية أو مدرسة غالية أو حتى شخصًا يشرح أو يبسط المعلومات، فالذكاء الاصطناعي يوفر هذا كله بكفاءة عالية ومجانًا.

السيد (م) بدأ يحقق أرباحًا كبيرة، بفضل الله، ولأنه لا يضطر لدفع رواتب أو أموال للمحاسب ولا المحامي ولا الطبيب ولا كول سنتر، إلخ، فقط يدفع رواتب ثلاثة أشخاص يقدمون أعمالًا بسيطة برواتب منخفضة.

السيد (م) يريد التوسع، لكنه لا يحتاج إلى مستشار اقتصادي ولا شخص حاصل على ماجيستير إدارة أعمال، سأل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وحصل على الإجابة والخطة، لا يحتاج خدمة عملاء ولا موظف يرد على أسئلة العملاء (call center)، إلخ.

اليوم افتتح السيد (م) الفرع الجديد للمطعم والمقهى، وعيّن ثلاثة أشخاص جدد، وكلهم من ذوي التعليم المتوسط والمنخفض.

اليوم السيد (م) يتوسع، ويعيّن ويظهر عنده عدد أكبر من فرص العمل، لكنها كلها فرص عمل بسيطة الراتب ومنخفضة الكفاءة والتعليم، ويستغني عن ذوي التعليم العالي والرواتب الكبيرة.

اليوم 90% من مصاريف الرواتب يذهب إلى أصحاب الحرف اليدوية، السباك، العامل في المقهى، النجار، ربما الجراح لو احتاج إلى جراحة.

لكنه استغنى عن كثير من الأشخاص الحاملين لشهادات عالية وموظفين يطلبون مرتبات عالية، ضاع من عمرهم سنوات في دراسة كيف تكتب كذا أو كيف تخطط لكذا أو كيف تقول كذا.

ربما حين يظهر ذكاء اصطناعي وروبوت يحل محل الموظفين من ذوي المرتب البسيط والأعمال اليدوية، روبوت يصنع القهوة ويقدمها للزبائن وينظف المنضدة ويعمل أعمال السباك والنجار والحداد والجراح، سوف يستغني عنهم هم أيضًا، ليحقق مزيدًا من الأرباح.

يستمر الزبائن الفقراء في الشراء، سعداء بالتخفيضات، لأن صاحب المشروع لا يحتاج إنفاق كثير على الرواتب للموظفين، تكلفة تشغيل أقل، أرباح أكبر.

زبائن فقراء كثيرون، ينفقون ما تبقى لهم من ملاليم يحصلون عليها كأنها صدقات أو هبة أو تبرعات، ويشاركون في إفقار زملائهم الذين سُرِّحوا.

هذه القصة الحقيقية توضح لنا تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل ومستقبل الوظائف. في المستقبل سيُستَغنى عن كثيرين، ولن يجدوا أمامهم غير العمل في وظائف أبسط وأقل وأصغر في الراتب والمؤهلات، أو الحياة على معونات ومعاش بسيط من تبرعات الأسياد!

سيجد خريجو كليات كثيرة أن عليهم التنازل عن كثير من الأحلام والطموحات، في سبيل الحصول على أي عمل بسيط أو مصدر للرزق.

تستغني الحكومات عن كثير من الوظائف المكتبية والكتابية، تمامًا مثل شركات الرأسمالية، تحت شعار التطوير والميكنة، إما يسرحوا الموظفين، أو لا يعيّنون موظفين جددًا.

القاضي والإعلامي والكاتب والمراجع، إلخ، إلخ.

يتحول الناس من الشكوى من الاستغلال (استغلال صاحب العمل والحكومات لهم)، إلى الشكوى من عدم الأهمية (عدم احتياج صاحب العمل أو الحكومات لهم).

هذا الطابور من العاطلين الذين ضيعوا سنوات عمرهم في دراسة أشياء لن تفيدهم، سيفشل كثير منهم في التأقلم على الواقع الجديد.

مجتمع من عدد قليل من أصحاب الأعمال، أقلية تتزايد ثرواتهم وأرباحهم، وفي المقابل عدد متزايد وأغلبية من الفقراء والعاطلين والتعساء أو العاملين في مهن بسيطة، المهددين بأن يُستَغنى عنهم بكل سهولة في أي لحظة، ليحل محلهم تعيس آخر براتب أقل، أو روبوت يعمل 24 ساعة بلا أجر ولا شكوى.

ربما يسقط كثير من هؤلاء البشر التعساء في مشكلات الإدمان والتفكك الأسري والطلاق والدعارة والمشاكل الاجتماعية التي تصيب مجتمعات البطالة والفقر وينساها الزمن والحكومات ويتركونها لتغرق، ويروج إعلام الرأسمالية لخرافة أن العيب فيهم، تحت شعار أن العيب فيهم وأن الخطأ منهم لأنهم لم يستطيعوا التأقلم مع التطور والعلم وتغيرات الحياة.

لكن لن يستمع إليهم أحد، لأن الرأسمالية لا ترحم وليس لها قلب أو ضمير، الرأسمالية لها هدف واحد فقط، تحقيق أكبر قدر من الأرباح لأصحاب العمل ورأس المال، حتى لو كان على حساب حياة ملايين من البشر وتعاستهم.

ببساطة لأن الرأسمالية والعلمانية بلا أخلاق ولا قلب ولا رحمة، تفكر في الأرباح فقط. العالم يحتاج إلى اقتصاد يجمع بين المال والأخلاق، بين المادة والروح، مثلًا: الإسلام والاقتصاد الإسلامي يفكر في صلاح المجتمع والأخلاق وسعادة البشر، وليس في الأرباح فقط.

مقالات ذات صلة:

الذكاء الاصطناعي وتحديات المستقبل

كيف سيتعلم الناس سنة 2050؟!

وظائف المستقبل شكل المهن سنة 2040

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس