الجمع بين رأيي الحكيمين .. الكندي وأوغسطين

رب سائل يسألني، لماذا هذين الفيلسوفين ولماذا هذه القضية بالذات؟!
تكمن إجاباتي عن هذا السؤال في ما يلي:
لا بد أن نسلم أن الفكر لا دين له ولا وطن، نناقش الآراء والأفكار والتوجهات كلها، بل ونقارن بين المذاهب الفكرية كلها لعلنا نجد ضالتنا المنشودة وبغيتنا المرجوة، ألا وهي الوصول إلى الحق، فالحق لا يضاد الحق بل يشهد له ويؤيده، وهذا ما يجعل فكرنا حركي مستمر.
أما السبب الثاني، فإنه إذا كان الفارابي حاول أن يوفق بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو، على الرغم من أن بينهما اختلافات كثيرة، فأفلاطون مثالي النزعة والمنطلق، وأرسطو يغلب على فكره العقلانية، إلا أن بينهما خيط رقيق قد يربطهما إذا ما تعقلناهما جيدًا.
لذلك أراد الفارابي أن يوفق بين الفلسفة والدين من فكر هذين الفيلسوفين مُلبِسًا فكريهما عباءة الدين الإسلامي، إلا أن الآراء تأرجحت بخصوص نجاح هذه المحاولة، فهناك من ذهب إلى القول بفشلها، وهناك من توقف، ورأي ثالث قال إنها كانت محاولة تلفيقية لم تصب الجادة وحادت عن الصواب، فبدلًا من الوصول إلى الحقيقة أصابت العقل بالحيرة والقلق الفكري، مما جعل بعضهم يقول ليته سكت.
أما السبب الثالث، فكلا الفيلسوفين سواء الكندي أو أوغسطين مباني فلسفتيهما الجمع بين الجمعين، العقل مؤيدًا بالنقل، ظهر ذلك جيدًا في حديث كليهما عن تعريف الفلسفة، فكلاهما ذهب إلى القول إن الفلسفة بغيتها إصابة الحق ومعرفته قدر طاقة الإنسان، بل وكلاهما ذهب إلى أن الفلسفة محاولة التعرف على النفس الإنسانية.
كذلك كلاهما كان يرى أن الفلسفة بغيتها تحقيق السعادة للإنسان وذلك عن طريق إتيان الفضائل واقتنائها واجتناب الرذائل.
فضلًا عن أن كليهما درس الكتاب المقدس، القرآن الكريم للكندي والإنجيل لأوغسطين، ليس هذا وحسب بل وكلاهما درس الفكر اليوناني دراسة مستفيضة، ظهر ذلك جليًا على فكريهما وندعم ذلك بقوة، فالفكر سلسلة متصلة الحلقات، وظاهرة التأثير والتأثر ظاهرة محمودة في الفكر الإنساني محمودة في جانبها الإيجابي الذي لا يؤدي إلى الشطط والشطح والخلل. مرذولة في جانبها السلبي الذي يقود العقل البشري إلى التيه والضلال.
إذًا الرجلان اتفقا في الغاية والمنهج أيضًا، فعلى الرغم من أن أوغسطين نشأ نشأة دينية وكذلك الكندي فهما عندما سلكا مسلك التوفيق بين الفلسفة والدين، سلكا المسلك العقلي إرضاء لنزعتهما العقلية وفي الوقت نفسه لم يغفلا عن الجانب الديني الذي يدعو إلى إعمال العقل في الوصول إلى الحقيقة.
فكان الإيمان رائدهما وأعي ما أقول الإيمان العقلي الضامن لكل حقيقة، فجاءت مقولة أوغسطين الخالدة أؤمن لا أتعقل لأؤمن. فهنا الإيمان وقر في القلب يصدقه العمل، بمعنى عرض المسألة على العقل، متأملًا بحّاثًا معتبرًا فإذا ما آمن العقل بالقضية سيزداد الإيمان في النفوس، وهذا ما علّمه الكندي لتلميذه أبو زيد البلخي، الذي قال الفلسفة هي الشقيقة الصغري للدين، والفلسفة هنا تعني التعقل وحب الحكمة، والدين يعني الوحي وما جاء به، والوحي خطاب للعقل وكلاهما أثران من آثار الكامل فكيف يتعارضان، وهذا ما حقق راحة وهدوءًا واستقرارًا لنفس أوغسطين بعدما قطع رحلة طويلة شاكًا دارسًا للكتاب المقدس معتكفًا في ديره وصومعته مؤلفًا كتابيه العملاقين، مدينة الله، والاعترافات.
بيّن الكندي أن الفلسفة تتضمن المعارف التي يحرص الدين على ترسيخها، لأن في علم الأشياء بحقائقها علم الربوبية، وعلم الوحدانية، وعلم الفضيلة، وجملة كل نافع والسبيل إليه، والبعد عن كل ضار والاحتراس منه.
واقتناء ذلك كله أتت به الرسل، وأيده العقل الفلسفي، ومن ثم لا يمكن أن يكون خلافًا، فالغاية واحدة والمنهج واحد حتى وإن عارض بعضهم أن المنهج مختلف، فمنهج الدين تسليمي، أقول لهم: إن عالم الدين ليس مسلوب العقل وإنما يستخدم عقله في التحليل والنقد والمقارنة ليصل بعد ذلك إلى التسليم باليقين المعرفي، وهذا ما وجدناه عند الكندي وأوغسطين.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا