فن وأدب - مقالاتمقالات

طريق الإبداع المسرحي .. إبهام المصطلحات المسرحية وإيهامها وغموضها

"مسرح اللا توقع الحركي القصير"

التجريب عملية دؤوبة مستمرة في مختلف المناحي والفنون، يتعامل معه المسرح مع كل قلم يخط نصًا مسرحيًا ومع كل مخرج أو مصمم لعنصر من عناصر إبداع فن تشكيل الصورة المسرحية (السينوغرافيا) صوامتها ونواطقها وحركاتها، أو سمعياتها وبصرياتها وحركاتها، وكلها لتلبي غريزة الاستكشاف والتجريب الإنساني الفني والإجابة عن سؤال: لم لا؟ وهدفها الأسمى إبداع منظومة تصل برسائل المسرح واضحها ومضمرها إلى لب وجدان الجمهور وعقله.

لكننا في الوطن العربي، وقد ترسخت لدينا تبعية الغرب نظرًا لنشأة المسرح الغربية، ولم نفلح في التأكيد على عمق التجربة المسرحية العربية، إذ إن الجاثمين على سدة المشهد بطريقة كلامهم واتجاهاتهم وشبقهم وولعهم وتلهفهم للتجارب المسرحية الغربية باعدوا الشقة بين المسرح وجمهوره.

فلا غرو أن يهجر الجمهورُ المسارحَ التي خفت بريق توهجها، بعدما اتخذوا من التجريب معاول هدم انكبوا بكل رعونة وشطط هدمًا لأساساته وأعمدته غير مبالين بالجمهور متعالين عليه، ليفجعونا بين الحين والآخر بعروض مبهمة سخيفة، ونظريات أو حركات همايونية هلامية زئبقية، ليقع المسرح ليس أسيرًا للنخبة من المسرحيين بل لنخبة النخبة منهم أعجميي الأفكار والألسنة، الذين أصابهم التشظي الفكري والهلفطة التنظيرية.

فيلقون بين الحين والآخر عروضًا مهترئة تحت راياتهم الفاقعة الاتجاهات الهدامة، يروجون لها يعطونها الجوائز عبر سيل مهرجاناتهم العبثية، يكرمون القائمين عليها، يؤلفون الكتب لها، يكتبون لها المقدمات الطوال، والمقالات العصماء لشرح تلك المتاهات التنظيرية.

طالعت مؤخرًا مصطلح “مسرح اللا توقع الحركي القصير”، وكيف أن هذا المسرح هدفه تنمية المتلقي الذكي وترقية ذائقته وصنعه، ولم تسعفني معاجم اللغة ولا المصطلحات المسرحية حتى وجدت بعض المقالات التي تحتفي بالمصطلح وتحاول تأطيره وتنظيره، ومنها وصفه التجربة بأن صاحبها يحاول تأطير أورجانون (آلة أو أداة للوصول إلى العلم أو الصواب).

اضغط على الاعلان لو أعجبك

“مسرح اللا توقع الحركي القصير” مسرح إيحائي، يضمر أكثر مما يعلن، ويومئ أكثر مما يوضح، ويوحي أكثر مما يشخص، يعتمد حواره على اللغة التلغرافية، والإضاءات الخاطفة، مما يقر بلغة هذا المسرح من لغة الدراما التعبيرية التي يمكنها أن تستوعب الهذيانات الطويلة والعبارات المبتورة والكلمات المقطعة على حد سواء.

حتى أشار أحد الباحثين بدقة وتمعن إلى أن هذا النوع من المسرح يتميز بالنقاط الآتية:

  1. الحدث فيه لا ينمو ولا يتطور بل يتكرر ويعود مرة أخرى وعلى نحوٍ دائري إلى نقطة الانطلاق، وهذا ما اعتمده كثير من المؤلفين العالميين وخصوصًا كتاب مسرح “اللا معقول”.
  2. الشخصيات، قد تكون عبارة عن أفكار تتشظى في فضاء العرض، تدور اهتماماتها حول الإنسان وإحساسه بالقلق نحو الوجود ومعاناتها من ضياع المعنى والهدف، فالشخصيات قلقة ليس لها خط أساس وهدف أعلى كما في المسرح “الأرسطي”.
  3. الحبكة في “مسرح اللا توقع الحركي القصير” مفككة، تهمل العناصر المنطقية كلها في البناء الدرامي من “عقدة وتطور وحل”.
  4. غالبًا ما تكون دوافع الفعل مفقودة والتصرف غير مبرر.
  5. نرى أن الشخصيات غير ثابتة الملامح تتغير مع تغير الفكرة المشتعلة، ونلاحظ أيضًا أن هناك حالة تحول وتبدل وتبادل أيضًا في الأدوار، أي لا توجد أبعاد ثابتة للشخصيات.
  6. الصورة فيه لا مقابل حرفيًا لها في الواقع، فيما الأجواء تقترب من الملحمية.
  7. اعتماده على المتناقضات بين القول والفعل والهزل والمأساة.

ولا أرى في هذا المصطلح ما يستدعي التأطير أو التنظير، بل هو امتداد وأبلغ وصف لما نعيشه من تردٍ للمسرح وأفول نجمه واختطافه من النخبة ونخبة النخبة والطفيليين ممن يترزقون منه، ومن مهرجاناته صفرية المردود، ومضيعة للجهد والوقت وعدم بذل الجهود الحثيثة الواعية لمصالحة الجمهور أو ما تبقى منهم، والحفاظ على بريق الفن الخالد الذي بهتت أنواره وانحسرت إشعاعاته.

مقالات ذات صلة:

الحداثة والمسرح الحداثي

تاجر البندقية

مسرح القهوة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. كمال يونس

استشاري طب الأطفال ، كاتب ونقد مسرحي ، قاص