فلسفة التناظر والحَجَاج بين الفلسفة والدين

كثر في أيامنا هذه الحديث عن المناظرات بين أصحاب اتجاهات فكرية مختلفة سواء كانت هذه الاتجاهات علمانية أو إسلامية أو بين أصحاب الديانات والشرائع المختلفة أو بين أنصار النزاعات اللا دينية سواء كانوا ملاحدة أو طبائعيين أو دهريين أو صابئة وغير ذلك.
بل لم يكن الأمر مقصورًا على هذا الحد، فنجد إنه قد جرت مناظرات كثيرة على مر تاريخ الفكر الفلسفي الإسلامي، سواء مناظرات عن طريق المواجهات العينية أو المواجهات الكتابية عن طريق تعرض الفرق الكلامية بعضها لبعض وجهًا لوجه أو في محاوراتهم المودوعة في كتاباتهم، وخير دليل على ذلك كتاب مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، وكتاب الانتصار للخياط، كذلك بين الفلاسفة وخير شاهد على ذلك كتاب بول كراوس “رسائل الرازي الفلسفية” الذي ذيله بمناظرة أسماها الرازيان، أبو حاتم الرازي وأبو بكر الرازي الطبيب التي غلب عليها الطابع العقلاني.
وفي التاريخ العربي والإسلامي الحديث مناظرات الإمام محمد عبده في كتابه “الإسلام دين العلم والمدنية” مع هونونو.
وهذا ليس جديدًا على الفكر الإنساني، فوجدنا ذلك في مناظرة هابيل لأخيه قابيل (بين ثنائيّة الخير والشر)، ووجدنا ذلك أيضًا في محاورة السوفسطائي عند سقراط، ومناظرة أرسطو لإقراطليوس كلاهما يريد أن يثبت بجدلياته وحججه أنه على صواب انتصارًا لمذهبه، أحدهما وهو أرسطو يريد أن يثبت وجود المعرفة وإمكان قيامها، والآخر إقراطليوس يريد أن يثبت أنه لا يوجد معارف يقينية.
وجدنا ذلك في أيامنا هذه، فشاهدنا على الهواء مباشرة مناظرات بين مناصرين للفكر الإسلامي ومناهضين له على الرغم من أن كلا الطرفين يدين بدين الإسلام، لكن كل فريق ينظر إلى الدين عن طريق رؤيته وتوجهه، فأنصار الاتجاه الإسلامي ينظرون إلى الإسلام بنظرة شمولية على أنه منظم للحياة وصلاحيته سيالة متدفقة وهذه وجهة نظر لها وجاهتها.
أما أنصار الاتجاه الآخر فيرون أن هناك خللًا في بعض النصوص ولا تصلح للزمكانية الحالية، فقالوا بتاريخانية النص وأن النص القرآني نزل لفترة تاريخية معينة، وهذا ما يفهم من القول بتاريخانية النص، وهذه رؤيتهم التي من الممكن أن تعقد المناظرات بشأنها لإقناع أنصارها ومن تبناها عقلًا بخطأ منطقه أو يقنع الآخر بالحجية المزدوجة، بمعنى الفريق الأول يقنع عقلًا والفريق الثاني يقنع نقلًا أي يستدل من النصوص القرآنية على توجهه الفكري.
أو كأولئك الذين يسعون إلى المناظرات الآن من أجل أن يثبت كل فريق بالحجة والدليل صحة ما يتبناه، فنجد التكوينيين يذهبون إلى ما أطلقوا عليه تجديد الخطاب الفكري، ومن ضمنه تجديد الخطاب الديني، لكن هل تجديد الخطاب الفكري يعني التنصل من تراثنا الحضاري والتشكيك في سير الأبطال وسبهم وقذفهم؟ كمن يشكك مثلًا في الفاتح صلاح الدين؟ هذا ليس تجديدًا وإنما اجتراء على ما هو راسخ في القلوب قبل العقول، أو كالذي يحاول أن ينفي السنة النبوية ويشكك في الأحاديث أو ينفي المعراج.
ومن ثم هب المنافحون عن الفكر والفكر الإسلامي والفكر الديني على وجه خصوص الخصوص، هبوا ودعوا إلى عقد مناظرات لإحداث نوع من الاستفاقة للأمة من سباتها، ومن أجل استجلاء الحقيقة أمام الجميع وكشف خبث هؤلاء وألاعيبهم، أو العكس إثبات الطرف الثاني بطلان حجية الطرف الأول –وإن كنت أشك في ذلك– لكن للأمانة والموضوعية كان ينبغي قول ذلك والغلبة لصاحب العقل والمنطق والقدرة على التناظرية مدعومة نقلًا وعقلًا.
حقيق علينا أن نعرف مفهوم المناظرة، فالمناظرة نوع مرتب أو رسمي للمناقشة، وتختلف المناظرة عن المناقشة المنطقية التي تبحث عن الحقيقة، كما تختلف عن الجدل المعتمد على البلاغة والإقناع، فالمناظرة وإن اعتمد النقاش المنطقي على شيء من العاطفة فهو ينجح ويثبت نفسه عند متابعيه وفق قوة السياق وطريقة الحوار المتقنة ومرونتها.
أما الحَجَاج فهو آلية ومنهج في التواصل وبلوغ المعرفة الصحيحة. فالنص الحجاجي نص جدلي، وهو أسلوب كتابة يحلل ويناقش ويعبر عن الآراء ويطرح الأطروحات بتقديم الحقائق والاستدلال والتمييز بين الصواب والخطأ وإعطاء الأمثلة.
فالحَجَاج هو التبادل الخطابي للحجج طلبًا للإقناع عن طريق ما يتيح اللسان الطبيعي المستعمل ككفاءة لغويّة محددة من الناحيتين اللسانية والتداولية، أي في طريقة الطرح والمناقشة.
وتتعلق دراسة الحجاج بعدة مجالات تشمل المنطق والبلاغة وفلسفة اللغة واللسانيات وتحليل الخطاب وفن المناظرة والحوار.
نأتي إلى سؤال مهم قد يخطر على بال القارئ الكريم، هذا السؤال لماذا الجمع بين المناظرة وعلم الحَجَاج؟ الإجابة واضحة: لأن المناظرة فرع من فروع علم الحجاج، فطريق التناظر يبدأ بدراسة علم الحجاج.
وسؤال آخر (محض سؤال ليس خبيثًا)، لم الآن بالذات ظهر هذا الكيان المسمى تكوين؟ نعلم جيدًا أن ثمة كيانات ملأت وطننا العربي والإسلامي، تارة تعمل في الخفاء وتارة تعمل في العلن مع أخذ حيطة التورية، تبدو للناس أنها منظمات لتطوير الفكر وتدس السم في العسل، ومن هنا لا بد من الانتباه جيدًا لكل شاردة وواردة تصدر عن مثل هذه الكيانات، خصوصًا ما يخص المعتقد، لماذا؟ لأنها توجه جل اهتمامها إلى البسطاء عاميي الدين.
ولنا أن نتعرض بقليل من التفصيل عن فكرة التناظر والمناظرة والحجاج والمحاججة في القرآن الكريم، فنجد ما دار بين إبراهيم عليه السلام والملك النمرود، هل يدخل في باب المناظرة أم الحَجَاج؟ نقول مناظرة من النمرود لأنه يفتقد الحجة المنطقية، حجاج من سيدنا إبراهيم عليه السلام لأنه يمتلك الحجة العقلية والنقلية، إبراهيم (عليه السلام) يقول: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، يرد النمرود: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، وفلسفة الأنا هنا تبطل الحجية لأن من يقول أنا فلا حجة له، لأن حجته ستخضع للذاتية دون الموضوعية وهذا ينسف المناظرة.
أما إبراهيم (عليه السلام) فطرح الأنا جانبًا، وكذلك مناظرة قوم إبراهيم (عليه السلام) له في واقعة تحطيمه الأصنام ورده عليهم، انظروا إلى انتقال إبراهيم (عليه السلام) من المناظرة إلى المحاججة: أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، انظروا كيف نسف مناظرتهم وكيف أقام الحجة عليهم: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ، ردوا قائلين: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ، ثم يخاطبهم متعقلًا: أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُم؟!
ثم اختتمت هذه المناظرات في سورة الأنعام بالخطاب العقل نقلاني: “وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ”، وقبلها: “قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ”.
ثم خطاب العقل والنقل في تناظرية إبراهيم (عليه السلام) مع ربه: قياس النظير أو التمثيل القاصر أو قياس المشابهة لتأكيد الإفهام والأفهام عن القوم من أهل الجدل والتناظر والحجاج في كل عصور الفكر الإنساني، عندما طلب إبراهيم (عليه السلام) من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، تبدأ بالسؤال الاستفهامي، يأتيه الرد الاستنكاري: أولم تؤمن، جاء رد إبراهيم (عليه السلام) قال بلي، تحقيق الإيمان، لو قال نعم لنسفت القضية من أساسها ولهدمت ملة أبينا إبراهيم (عليه السلام) لكن لكي يطمئن القلب اطمئنانًا يرتاح معه العقل وتهدأ ثأرته.
لكن ما أهم الضوابط التي ينبغي توافرها في المتناظرين؟!
الذي يحدد هذه الضوابط طبيعة الموضوع محل التناظر، فلو كان موضوعًا دينيًا يتعلق بالدين أي دين وأي شريعة لا بد من توافر ضوابط:
- أن يكون المتناظرون على مستوى رفيع من الفهم الديني.
- أن يكون المتناظرون مشهود لهم بالتقى والعفاف والصلاح بين الناس.
- أن يكونوا من أهل الحل والعقد والتأثير على المتلقي.
- أن يكونوا بعيدين تمامًا عن السلطة الحاكمة حتى لا تتأثر مناظراتهم بما يملى عليهم من إملاءات.
- ضرورة ملحة في المتناظرين توافر رجاحة العقل والفطنة
هذا فيما يخص المناظرات الدينية.
أما المناظرات الفكرية في أي موضوع آخر سواء سياسي أو اجتماعي، أو ثقافي، أو فلسفي، فالضابط الرئيس ها هنا رجاحة العقل وحجة المنطق والثقافة الموسوعية والخبرة الكبيرة كل في تخصصه.
أما عن أنواع المناظرات فثم نوعان، مناظرات علانية، وأخرى سرية، وأرجح السرية بمعنى لا يحضرها إلا العلماء من أهل التخصص وتسمى بمناظرات الأروقة المغلقة حتى لا تثار الفتن وتحدث البلبلة عند البسطاء من الناس، خصوصًا في الموضوعات الدينية الحساسة والشائكة، ومن الممكن إعلان نتائجها عن طريق الثقاة الذين حضروها دون زيادة أو نقصان.
مقالات ذات صلة:
أرسطو: المؤسس الأول لعلم الحاسوب
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا