فن وأدب - مقالاتمقالات

تاجر البندقية .. الجزء الأول

ويليام شكسبير .. دراسة نقدية في الهوية والصراع والعدالة

مقدمة: المسرحية التي تقاوم التصنيف

حين تفتح “تاجر البندقية” للمرة الأولى، يبدو الأمر واضحًا: مسرحية كوميدية فيها حب وخداع ونهاية سعيدة. لكن حين تغلق بعد القراءة الأخيرة، تجد نفسك أمام شيء أصعب بكثير من التصنيف. شيلوك يغادر المسرح مكسورًا، مجبرًا على التخلي عن دينه وثروته وهويته، في حين يحتفل الآخرون بالزواج والحب. هل هذه نهاية كوميدية؟ لمن بالضبط؟

هذا التوتر الذي لا ينحل هو ما يجعل “تاجر البندقية” مسرحية تقرأ وتعاد قراءتها عبر أربعة قرون دون أن تستنفد. ليس لأنها تجيب عن أسئلة كبيرة عن العدالة والرحمة والهوية، بل لأنها تطرحها بطريقة تجعل كل إجابة تتضمن سؤالًا جديدًا.

كتبها شكسبير في أواخر القرن السادس عشر، في إنجلترا كان اليهود فيها محظورين من الإقامة منذ أكثر من ثلاثة قرون. صورة اليهودي التي كان يعرفها جمهوره كانت مبنية على الأساطير والتحيزات الموروثة لا على التجربة المباشرة. مع ذلك، كتب شكسبير شيلوك الذي يسأل: “أليس لليهودي عينان؟ أليس له يدان وأعضاء وحواس وعواطف وآلام؟”، ووضع هذا السؤال في الفصل الثالث، في منتصف المسرحية، كأنه الزلزال الذي يزعزع كل يقين شكّله الفصلان الأوليان.

تلخيص المسرحية: ثلاثة عوالم في حبكة واحدة

العالم الأول: البندقية والديون والصداقة

يبدأ العالم الأول في البندقية التجارية الصاخبة. أنطونيو، التاجر المسيحي الميسور، يعاني حزنًا لا يعرف مصدره، السطر الافتتاحي ذاته يرفع علامة تساؤل فوق شخصيته الظاهرة. صديقه بسانيو يريد المال للذهاب إلى بلمونت وخطبة بورتيا الغنية، لكن أنطونيو ليس معه نقد، ثروته كلها في سفن مبحرة في البحر.

يلجأ بسانيو إلى شيلوك المقرض اليهودي. شيلوك الذي يكره أنطونيو ويتذكر كل إهانة تلقاها منه يوافق على الإقراض، لكن بشرط شيطاني في ظاهره وهزلي في صياغته: إذا لم يسدد الدين في موعده، فلشيلوك الحق في قطع رطل من لحم أنطونيو من أي موضع يشاء من جسده. يقبل أنطونيو، واثقًا من أن سفنه ستعود في الوقت المناسب.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

العالم الثاني: بلمونت واختبار الصناديق

العالم الموازي في بلمونت عالمٌ آخر كليًا، مشمس، غنائي، أقرب إلى الأسطورة. بورتيا ورثت شرطًا من والدها المتوفى: خطيبها يجب أن يختار من بين ثلاثة صناديق، ذهب وفضة ورصاص، والصندوق الصحيح هو الذي يحتوي على صورتها.

خاطبان يسبقان بسانيو يختاران الذهب والفضة وكلاهما يخفق. الذهب يحمل رسالة عن خداع المظاهر، الفضة رسالة عن الجدارة الزائفة. بسانيو يختار الرصاص، القبيح والمتواضع، ويجد صورة بورتيا. لكن خبر سفن أنطونيو الغارقة وديون شيلوك المستحقة يصل فورًا ليسمم لحظة الانتصار.

العالم الثالث: المحكمة والمعركة الكبرى

شيلوك فقد ابنته جيسيكا التي هربت برفقة عاشقها المسيحي ومعها ثروته. ألمه مزدوج، الابنة والذهب، وما يحيّر القارئ أنه لا يعرف أيهما يؤلمه أكثر. في هذا الألم يتشدد في مطالبته: يريد رطل اللحم لا المال.

في المحكمة، تتنكر بورتيا في هيئة محامٍ شاب. يبدأ بمحاولة إقناع شيلوك بالرحمة: “الرحمة لا تفرض بالقوة، إنها تنزل كالمطر من السماء”. شيلوك يرفض، يريد القانون، يريد العدالة كما صاغها العقد.

ثم تقلب بورتيا الطاولة بثغرة قانونية: العقد ينص على اللحم فقط، لا الدم. لا يمكن قطع رطل اللحم دون إراقة قطرة واحدة من دم مسيحي. بذلك يسقط مطلب شيلوك، بل أكثر من ذلك: يتهم بالتآمر على حياة مواطن بندقي، ويجبر في النهاية على التنازل عن نصف ثروته ومعظم أملاكه، وعلى اعتناق المسيحية.

المسرحية تنتهي بضحك وخواتم وأخبار سفن أنطونيو العائدة. لكن شيلوك لا يشارك في الاحتفال. هو الذي انكسر، والمسرح يخلو منه، وهذا الخلو هو الصمت الأعلى صوتًا في المسرحية.

السياق التاريخي: إنجلترا الإليزابيثية وأشباح اليهود

بلد بلا يهود يكتب عن يهودي

من أكثر المفارقات المثيرة في تاريخ المسرحية أن شكسبير كتبها في بلد لا يهود فيه تقريبًا. اليهود طردوا من إنجلترا عام 1290 ولم يسمح لهم رسميًا بالعودة إلا عام 1656، بعد وفاة شكسبير بأربعين سنة. الجمهور الإليزابيثي الذي شاهد شيلوك لأول مرة كان في معظمه لم يلتق يهوديًا في حياته. صورة اليهودي في ذهنه كانت مبنية على التقليد الأدبي والأساطير الدينية: الجشع، والخيانة، وحامل الخطيئة.

في هذا السياق، أن يكتب شكسبير شيلوك وهو يقول: أليس لليهودي عينان؟” كان جرأة حقيقية. ليس لأن الجملة تدافع عن شيلوك، لكنها تعقّد الصورة النمطية وتمنحه إنسانية لا تنسجم مع الدور الذي كان من المفترض أن يؤديه.

أجواء التجارة والتوتر الطائفي

البندقية التي اختارها شكسبير مسرحًا لم تكن اختيارًا عشوائيًا، كانت في القرن السادس عشر مدينة تجارية عالمية من أبرز خصائصها التنوع: مسلمون ويهود ومسيحيون يتعاملون في أسواقها، لكن بقواعد غير متكافئة. اليهود كانوا يعيشون في “الغيتو” وكان عملهم بالإقراض بفائدة أحد الأعمال القليلة المتاحة لهم، بعد أن أغلقت أمامهم معظم المهن الأخرى. شيلوك المقرض ليس نمطًا اخترعه شكسبير من فراغ، بل هو ابن ظروف اجتماعية واقتصادية محددة لم يخترها.

حادثة لوبيز وتاريخ التحيز

يرى بعض الباحثين أن المسرحية كتبت في سياق قضية الطبيب رودريغو لوبيز عام 1594، اليهودي البرتغالي الذي كان طبيبًا للملكة إليزابيث ثم اتهم بالتآمر على اغتيالها وأعدم. القضية أثارت موجة من العداء لليهود في إنجلترا، وأعيد تمثيل “يهودي مالطة” لمارلو ذات المنحى المعادي لليهود في الزمن نفسه. هل كانت مسرحية شكسبير ردًّا على هذه الأجواء أم استجابةً تجارية لها؟ النقاد يختلفون، لكن السياق يغني أي قراءة للنص.

الشخصيات: خلف الأدوار الظاهرة

شيلوك: الضحية والجلاد في جسد واحد

شيلوك هو الشخصية التي لا يتفق عليها أحد. في قرون سابقة قرئ ضاحكًا منه ومنبوذًا. في القرن العشرين، بات يقرأ بكثير من التعاطف. أيٌّ من القراءتين هو شكسبير؟ ربما كلتاهما، وهذا بالضبط ما يجعله عظيمًا.

شيلوك يهان علنًا ويبصق عليه ويسمى “الكلب” يحارب في مجتمع يمنعه من الاندماج ثم يدينه لعدم انتمائه إليه. يفقد ابنته وذهبه في ليلة واحدة، ورد فعله على هذه الخسارة الإنسانية المزدوجة لا يبرر الانتقام لكنه يفسره. لحظة “أليس لليهودي عينان؟” هي اللحظة التي يحول فيها شكسبير شيلوك من شخصية إلى مرآة: أنتم الذين صنعتم هذا الغضب.

ومع ذلك، شيلوك يختار الانتقام على الفدية، حين يعرض عليه ضعف الدين مالًا يرفض، يريد اللحم. هذا التحول من المظلوم إلى من يمارس الظلم هو ما يجعله تراجيديًا بالمعنى الأعمق: ليس لأنه شرير، بل لأنه إنسان أنتجه المجتمع ثم دانه.

نهايته قسوة حقيقية: إجباره على التنصر ليس محض تسوية قانونية، بل محو هوية، إلغاء وجود. النقاد الحديثون يرون في هذه النهاية أشد مشاهد المسرحية مأساويةً رغم أنها تأتي في سياق “الانتصار”.

بورتيا: الذكاء داخل القيد

بورتيا امرأة موروثة لا سلطة لها على اختيار زوجها، والدها قرر ذلك حتى بعد موته عبر اختبار الصناديق. لكن الطريقة التي تتعامل بها مع هذا القيد كاشفة: هي لا تثور عليه، لكنها تتحرك داخله بمهارة من يفهم أن القيد نفسه يمكن أن يحول إلى فرصة.

تنكرها في المحكمة هو الفعل المحوري في المسرحية. امرأة في مجتمع القرن السادس عشر لا يمكنها الدفاع في قضية قانونية، فتتنكر في زي رجل وتنقذ الجميع. شكسبير لا يقول صراحة : “النظام ظالم تجاه النساء”، لكنه يظهر أن المرأة الأذكى في المسرحية يجب أن تخفي جنسها ليستمع إليها.

خطابها عن الرحمة يستحق وقفة: هو خطاب جميل وصادق، لكن بورتيا تطبّق عليه بالضبط ما تصف: لا ترحم شيلوك حين يتحول الميزان لصالحها. تنتقل من الدعوة إلى الرحمة إلى استخدام القانون بالصرامة نفسها التي اتهمتها في شيلوك. هذه الإشكالية لا إجابة عنها في النص، وهي إشكالية أكثر إثارة من أي إجابة.

أنطونيو: الحزن المجهول المصدر

أنطونيو يفتح المسرحية بقوله إنه حزين ولا يعرف لماذا. هذا الحزن الغامض الذي لا نعرف سببه أبدًا يظل كصوت منخفض تحت كل مشاهده. كرمه مع بسانيو لا حدود له، يقرض، يضمن، يعرض جسده ضمانًا. العلاقة بينهما تتجاوز الصداقة العادية إلى شيء أكثر حدة عاطفيًا، وشكسبير لا يسمّيه ولا ينكره.

أنطونيو الطيب الكريم يبصق على شيلوك في الشارع ويسمّيه “لكلب” . طيبته مشروطة باتجاهات محددة. كرمه لأصدقائه لا يمتد لمن هم خارج دائرة انتمائه. شكسبير لا يدين هذا صراحةً، لكنه يضعه جنبًا إلى جنب مع شكوى شيلوك بطريقة تجعل القارئ يرى ما لا يقال.

المواضيع الكبرى: أسئلة بلا إجابات جاهزة

العدالة والرحمة: هل يمكن الجمع بينهما؟

المسرحية لصالح الطرف الأقوى اجتماعيًا، هل الرحمة فضيلة حين تكون مطلوبة من الضعيف للقوي؟

والأكثر إثارة: حين ينقلب الميزان وتصبح بورتيا هي صاحبة السلطة القانونية، لا تمارس الرحمة التي دعت إليها بل تطبّق القانون بصرامة مطابقة لصرامة شيلوك. هذا ليس نقصًا في المسرحية بل هو قلبها الحقيقي: الرحمة سهلة وهي مبدأ، صعبة  في الممارسة.

الهوية والانتماء: من هو “الآخر”؟

تختبر الهوية في المسرحية من زوايا متعددة. شيلوك “الآخر” الديني والثقافي، لكن جيسيكا ابنته التي تتحول إلى المسيحية، وهل تنتمي؟ البندقيون يقبلونها، يقبلون مالها أسهل مما يقبلون أصلا. بورتيا الثرية من بلمونت تدخل البندقية الذكورية عبر تنكر، هل تنتمي؟ أنطونيو حزنه لا مصدر معلوم له وهو في قلب دائرته الاجتماعية، هل ينتمي؟

الانتماء في المسرحية ليس عطاءً طبيعيًا بل بناءً متفاوضًا دائمًا، من يقبل ومن يستبعد، ومن يضطر للتحول كي يقبل.

المال والقيمة الحقيقية

اختبار الصناديق الثلاثة رمزية واضحة لكنها لا تقف عند رمزيتها. الذهب الذي يخفق من يختاره يحمل الرسالة الكلاسيكية عن خداع المظاهر، لكن المسرحية كلها تقاس بالمال، الديون والفوائد والعقارات وصناديق الجهاز والميراث، حتى الحب في بلمونت مرتبط ببورتيا الوريثة. شكسبير لا يدين التجارة ولا يقدّسها، لكنه يظهر كيف يشكّل المال النسيج الاجتماعي وكيف يحوّل العلاقات.

مقالات ذات صلة:

بوئيثيوس ومكانته الفكرية والثقافية

المسرح بين الإثنولوجيا والانثروبولوجيا

رواية اسم الوردة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ . خالد حسين

كاتب و روائي