مقالات

انهيار الإمبراطوريات

تراجع الهيمنة

هناك علامات كثيرة تشير إلى تراجع الإمبراطوريات أو انهيارها، هذه العلامات لا تعني بالضرورة أن الإمبراطورية ستنهار في لحظتها، بل هي مؤشرات تدل على أن خطر الانهيار والتراجع قد بدأ عدادها النهائي، قد يستغرق عقدًا من الزمن أو ربع قرن لكنه حتمًا لن يزيد عن نصف قرن، تكون فيه الإمبراطورية قد انهارت تمًامًا أو تراجعت وأفسحت الطريق لقوى أخرى تشاركها حتى تسقطها.

هل بدأ المؤقت الزمني لانهيار أمريكا أو تراجعها؟!

من وجهة نظري لقد بدأ عداد الزمن يعد أعوام الإمبراطورية الأمريكية الباقية لها بوصفها قوى عظمى مهيمنة أو بوصفها القطب الأوحد في الكون، أقول إن هذه هي رؤيتي الخاصة التي تدعمها مؤشرات قد تبدو لي عقلانية أو منطقية.

من بين أهم هذه المؤشرات على التراجع أو الانهيار انتخاب ترامب، فانتخاب ترامب يؤكد لي أن الرجل جاء ليؤكد مرض الإمبراطورية النهائي، المرض الذي لن تستطيع بعده عمليات الترميم، فترامب –مثله مثل آخر حكام الإمبراطوريات قديمًا وحديثًا– يبدو الرجل القوي لكنه في الحقيقة مؤسس الانهيار، يقود بنرجسيته الإمبراطورية نحو الهاوية، ليس هذا بسبب حربه على إيران، فهذه الحرب لا أضعها ضمن مؤشرات الانهيار والتراجع، لكنّها قد تكون دليلًا على صدق رؤيتي المستقبلية.

لكن ما المؤشرات التي أعتمد عليها في بناء رؤيتي المستقبلية للإمبراطورية الأمريكية؟

ببساطة شديدة مجموعة من علامات الانهيار تخص الداخل الأمريكي:

تآكل المؤسسات

وهل أمريكا تعاني تآكل المؤسسات؟ الحقيقة نعم، فالولايات المتحدة الأمريكية التي قامت على المؤسسات الحاكمة، التي نجحت عبر قرون في فرض النظام وخلق الانتماء الوطني لهذه الدولة تعاني حاليًا التآكل بفضل الصدام الدائر بين ترامب والمؤسسات الضامنة للديمقراطية الأمريكية، فالقضاء يعاني في ظل وجود ترامب دائم الانتقاد له ولأحكامه، الساعي دائمًا إلى تعيين قضاة ينتمون إلى رؤيته ويغلبونها على القانون والدستور الأمريكي. كذلك الصدام الفيدرالي الأمريكي، وهذا الصدام والصراع يضعف هيبة المؤسسات التي قامت عليها الإمبراطورية الأمريكية ويظهرها كالدولة التي تحارب نفسها، وربما يذكرنا بالتاريخ الروماني القديم عندما حدثت صدامات بين كاليجولا ونيرون والمؤسسات التقليدية المتمثلة في مجلس الشيوخ والقضاء والجيش، وانتهى بتراجع الإمبراطورية الرومانية إلى أن انهارت تمامًا.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

الاستقطاب الحاد

تنهار الإمبراطوريات والحضارات والأمم عندما لا يستطيع الشعب أو الأمة أن ترى نفسها كتلة واحدة، بل ترى نفسها مجموعات متناحرة أو متصارعة، في هذه اللحظة تفقد الإمبراطورية أكبر ضامن للبقاء والاستمرارية. ولقد بلغ الانقسام المجتمعي في عهد ترامب أقصاه، وبدأ التشرذم المجتمعي واضحًا، ليس فقط على مستوى الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بل على المستويات الشعبية كافة نتيجة للخطاب العنصري الذي انتهجه ترامب.

فخ القائد الضروري أو رجل الضرورة

عندما يتحول الحاكم من محض مدير للدولة، ينفذ سياسات تضمن النجاح له وللدولة إلى رجل الضرورة أو القائد المقدس الملهم الذي لا يخطئ، ويعتقد أتباعه بأنه الرجل الاستثنائي أو المخلص الذي هبط من السماء لضمان النجاح والوجود، تكون الإمبراطورية قد خانت نفسها، لأن قطاعًا من شعبها رأى وروج للحاكم على حساب الدولة، ورأى أن الدولة لا تستطيع الاستمرار بغير الرجل المقدس، وأن القانون والدستور القديم يعيق عظمة الرجل الضروري واستمراريته، وقتها حتمًا ستنهار الإمبراطورية، وفي حالة الإمبراطورية الأمريكية فكل ما سبق ذكره يتجسد في ترامب وأتباعه، وهذا يتشابه مع ما فعله يوليوس قيصر في الإمبراطورية الرومانية عندما بدأ بكسر القواعد الدستورية الحاكمة، فعندما عبر بقواته نهر روبيكون، وكان هذا من المبادئ الرئيسية للإمبراطورية، أسس لغياب القانون وكسره، وعلو الحاكم فوق مصلحة الدولة.

فقدان اليقين القانوني

قامت أمريكا على مبدأ اليقين القانوني الذي اعتمده الناس والشركات مؤسسًا حقيقيًا للإمبراطورية الأمريكية، الآن يكسره ترامب بكل سهولة، فلا ينفذ أحكام المحاكم الأمريكية أو يسخر منها ويلتف حولها، مما يؤسس لدى المجتمع انكسار اليقين القانوني الذي كان يضمن لهم العدالة والمساواة في دولتهم.

تطبيع ثقافة التحايل

أصبح التحايل على القانون سمتًا أساسيًا لإدارة ترامب، مما يرسخ ثقافة التحايل على القانون والدستور والقيم الأخلاقية الحاكمة لنظام الحكم والقانون. وسيخلق هذا التحايل الانهيار الأخلاقي الذي يتبعه انهيار العقد الاجتماعي، وتتحول الدولة إلى ساحة أو غابة لا مكان فيها إلا للشطار (الشطار: اللصوص والمحتالون).

ما ذكرت سابقًا هي العلامات التي بنيت عليها رؤيتي في تراجع الإمبراطورية الأمريكية أو انهيارها في غضون ربع قرن من الآن، فهي لن تتراجع في يومنا هذا، إنما بدأت طريق التراجع والانهيار حتى تصل إلى نقطة التراجع التام، وربما تأتي هذه بعد ربع قرن من الآن، لكن في غضون عقد سنرى قوى عالمية أخرى تستطيع أن تواجه الإمبراطورية الأمريكية وتحدث نوعًا ما من التوازن العالمي.

مقالات ذات صلة:

أزمة الهيمنة الأمريكية

لماذا لا بد أن تغرب شمس أمريكا؟

حرب الجغرافيا والتاريخ

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا