قورش الكبير.. قورش المعاصر

استهلال
“لقد جمعت شعوبهم كلها وأعدتهم إلى أوطانهم، وسعيت جاهدًا من أجل السلام في بابل وفي مدنهم المقدسة كلها”. هذه العبارة منقوشة في أسطوانة قورش الكبير.
من وجهة نظري تعد هذه العبارة المعبر الرئيس عن عبارات ترامب الدائمة أنه رجل السلام، الذي استطاع أن يوقف الحروب الثمانية في العالم، فمن الواضح أن نتنياهو استطاع أن يقنع ترامب بأنه المعادل الموضوع لقورش الكبير ملك فارس، الذي استطاع أن يخلص اليهود من السبي البابلي، وأن يحل السلام على يديه، بعد أن هزم الطواغيت في بابل.
آمن ترامب بهذه الصورة، وبدأ يتصرف على أساسها، فتارة يدّعي أنه منقذ البشرية من الحروب وأنه رب السلام في هذا العالم، وأنه جاء ليخلص البشرية من شرورها، وتارة أخرى يتقمص صورة قورش الكبير برؤية مغايرة، فيحمل سيفه لنصرة بني إسرائيل وتدمير بابل العصر الحالي –إيران من وجهة نظره.
من الواضح أن نتنياهو استطاع أن يستغل النرجسية الطاغية عند الرجل، وحالات العنجهية النفسية، والخرف الناتج عن حالة تضخم الذات العنيفة عند الرجل، وأقنعه بأنه قورش هذا العصر، الذي سينقذ بني إسرائيل للمرة الثانية من السبي القادم، فهو المنقذ أو الحامي من المصير المحتوم على يد طواغيت هذا الزمن، وراح ترامب يتصرف وفق الرؤية الزائفة التي رسمها النتن له، وربما نجد ترامب يعلن أنه قورش المعاصر حامي الحمى وراعي السلام، وأن التاريخ سيخلد ذكراه كما خلّد قورش الكبير.
استهلال
” ويل للزمن الذي ولد فيه إسماعيل في العالم واختتن. ماذا فعل القدوس تبارك وتعالى؟ لقد أبعد أبناء إسماعيل عن الالتصاق بالعالم العلوي، وأعطاهم نصيبًا في الأسفل في الأرض المقدسة بسبب ختانهم”. (الزوهار الجزء الأول).
“وأمّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثّره كثيرًا جدًّا. اثني عشر رئيسًا يولد، وأجعله أمّةً كبيرةً. لكن عهدي أقيمه مع إسحاق”. (تكوين 17: 20-21).
منحت النصوص الدينية اليهودية القداسة الروحية لبني إسماعيل، وخصتهم بمزايا كثيرة منحها الرب لهم، لكن تبقى الأفضلية الكبرى أو النهائية لبني إسرائيل، فهم أصحاب الحق الإلهي الأسمى في هذا الكون.
هناك صلة قرابة حقيقية وقوية بين العرب وبني إسرائيل، فهم أبناء عمومة، وهذه القرابة لم تسمح لهم أن يتقاربا، بل كانت سببًا رئيسًا في الصراع القديم بينهما، واستمر هذا الصراع أو المنافسة حتى يومنا هذا، وبعد ظهور الإسلام.
يستطيع المتصفح لتاريخ العقلية العربية والإسرائيلية أن يتبين رابطًا قويًا بينهما، أو عنصرًا رئيسًا يربط بينهما، إنه فكرة القداسة أو شعب الله المختار، فكلاهما يؤمن بهذه الفكرة، ويؤكدها بأفعاله في الحياة الواقعية، فهما ينظران إلى العالم من حولهما أنه خلق ليخدمهما فقط، لأنهما أصحاب الحق الإلهي المقدس، والدم الإلهي النبيل، فالدم الذي يجري في عروقهما هو دم خاص، لا يجوز أن يجري في جسد أي إنسان غيرهما، ومن هذا المنطلق ستجدهما أيضًا يتنافسان في رضاء قورش الكبير لهذا الزمن، لأن كلًا منهما يرى في ترامب المخلص، أو قورش الكبير الذي سيضمن لهما البقاء والانتصار وعلى يديه يحل السلام، لذلك فكلاهما يقاتل من أجل التمكن بقورش المعاصر، الذي سينصر المظلومين ويرد لهم حقوقهم المقدسة، ويعيد لهم مجدهم الزائل.
تؤمن العقلية السامية المقدسة (أحفاد إسماعيل وإسحاق) بأن الله يخول لهما ملوك الأرض لنصرتهم، حتى لو كان هؤلاء الملوك على غير دينهم، أو وثنيين، لأن المشيئة الإلهية –من وجهة نظرهم– تقتضي هذا، وعليهم استغلال هؤلاء الملوك لأنهم من الأمميين، ويحق لهما توظيف الأمميين لمصلحتهما، لأنهم محض خدم لشعب الله المختار.
مقالات ذات صلة:
إسرائيل بين الأندلس والولايات المتحدة الأمريكية
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا