مقالات

غروب الإمبراطوريات .. لماذا لا بد أن تغرب شمس أمريكا؟!

ربما من باب التفاؤل نكتب عن أفول هذه الإمبراطورية الكريهة التي رسخت للظلم والقهر في كل مكان، إمبراطورية قُطّاع الطرق التي قامت على فناء جنس بشري كامل، سعوا في سحقه وقتله، لأنهم كانوا مجموعة من مطاريد أوروبا سكنوا تلك البلاد الجديدة، وأكثروا من سفك الدماء، بل ومنحوا التفويض لغيرهم كي يقتلوا ويدمروا.

أكتب عن غروب شمس الإمبراطوريات معتمدًا على شواهد التاريخ التي تشير إلى علامات انهيار الإمبراطوريات والحضارات القائمة، فوفق طبيعة الكون: لكل إمبراطورية دورة تقضيها متسيدة العالم، ثم تبدأ في الانحسار تدريجيًا.

قديمًا كانت علامات هزيمة الدولة الإخمينية واضحة في سلوكيات داريوش الثالث، فغروره الشديد وثقته الزائدة بنفسه، رغم افتقاره للخبرات القتالية، أسهما على نحو كبير في هزيمة فارس أمام الإسكندر الأكبر، والنتيجة غياب شمس الدولة الإخمينية.

كذلك كان حتميًا أن تبدأ روما في الضعف والذبول حتى سقطت نهائيًا على يد القبائل الجرمانية، ففي عام 180م صعد كومودوس إلى سدة الحكم خلفًا لوالده الفيلسوف ماركوس أوريليوس، تولى الحكم وهو يفتقر لكل مقومات القيادة الحكيمة، فأسس لبداية الانهيار. لقد جاء كومودوس في قوة الإمبراطورية وازدهارها، تولى دولة راسخة قوية مهابة من الجميع، فعاث فيها الفساد، فلقد كان شابًا يعشق حياة المجون والفسق، وتعددت علاقاته وإدمانه للنساء والخمر، كما أسهم في زعزعة هيبة الإمبراطور بإقدامه على خوض المصارعة أمام العبيد، الاعتماد على العبيد في إدارة الدولة، وكسر القواعد الراسخة التي كانت تحكم الإمبراطورية، لذلك بعد اغتياله حدثت الحرب الأهلية التي أضعفت السلطة المدنية في الإمبراطورية للأبد.

أيضًا كان لا بد أن يحكم الوليد الفاسق ويزيد الناقص الدولة الأموية ليؤسسا لانهيارها.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وكان حكم المنصور بن أبي عامر في الدولة الأموية في الأندلس رغم انتصاراته العسكرية بداية سقوط الدولة العربية في الأندلس، لأنه اتخذ مجموعة من القرارت الخاطئة هزت استقرار الدولة، فنتج عنها بداية التصدع، بخاصة بعد وفاته.

كثيرًا ما يأتي حاكم معين في أوج قوة إحدى الإمبراطوريات، فيكون هذا الحاكم سبب التأسيس للانهيار بقراراته الخاطئة أو بصفاته الشخصية، التي لا تصلح لإدارة الدول فتسير الدولة معه إلى الهاوية.

لا تسقط الدولة مباشرة عقب أمثال هذا الحاكم إنما تبدأ في الانهيار، لأنه يكون قد أخل بشرعيتها التي قامت عليها، وبالإخلال بهذه الشرعية تفقد أساس قوتها وتميزها فتتحول تدريجيًا إلى بلد عادي يسير نحو الفشل.

من متابعتي للإمبراطورية الأمريكية كنت قد شعرت من عشر سنوات بأن هذه الإمبراطورية قد بدأت تفقد الشكل –أقول الشكل– الأخلاقي الذي كانت تسعى ويسعى حكامها في الحفاظ عليه، كان شكلًا فقط خاليًا من أي جوهر أخلاقي، لكن هذا الشكل كان يحفظ لها هيبتها أمام الدول، بخاصة أنها كانت تطبقه أحيانًا عندما كان يتعلق هذا بأماكن لا تتطلع للهيمنة عليها ولا مصالح لها فيها.

كنت أنتظر الحاكم الذي سيأتي ليؤسس لهذا الانهيار، حتى جاء دونالد ترامب عام 2016، في البداية كنت أكرهه وأكره توليه الحكم، لكن بمرور الوقت أحببت وجوده وتمنيت استمراره، لأنني رأيت فيه النموذج المثالي للحاكم الهادم للإمبراطوريات، فهو يشبه نيرون في جنونه، وكاليجولا في شذوذه وغروره، وكومودوس في هدمه لشرعية الحضارة التي حفظت للإمبراطورية هيبتها وقدرتها على الاستمرارية والنجاح والتطور.

جاء ترامب ليؤسس لهدم القيم الأساسية للإمبراطورية الأمريكية، فالدولة الأمريكية قامت على شرعية القانون، المساواة، العدل، واستمرت هذه الشرعية على نحو يضمن للدولة استمرارها، فكان الكل سواسية أمام القانون، وكان القانون السيف الذي يهابه المواطن والحاكم، وظل هكذا حتى جاء ترامب الذي بدأ في هدم هذه القيم الشرعية التي أسست لنجاح الدولة.

أصبح هو وأتباعه فوق القانون، سواء بتعطيل القانون، أو بإصدار العفو الرئاسي لمن هددوا قيم الدولة، ثم أطلق يد الشرطة بأنواعها كلها –بخاصة الهجرة– لتقتل وتروع المواطنيين والمهاجرين، وهذا لم يكن معروفًا من قبل، لم يكتف بهذا بل واصل غروره ليصير إمبراطورًا يحكم أمريكا وليس رئيسًا يُسأَل ويخضع للمحاسبة، فرغم كل ما يحيط به من شكوك يظل الرجل مستعليًا على القانون، سواء بالتهديد، العزل، السب والقذف والتطاول.

في الأيام الأخيرة جاءت حربه ضد إيران منساقًا خلف إسرائيل نتنياهو ليهدم آخر سردية دولية كانت تحفظ لأمريكا قوتها، لقد هدم الرجل سردية الهيبة، فبإقحام بلده في تلك الحرب بدأت أمريكا تفقد مصداقيتها، بخاصة أنه تفاوض مرتين معها وشن الحرب في أثناء المفاوضات، الكذب المتواتر الذي يطلقه الرجل كل يوم جعل قادة العالم كلهم تقريبًا –عدا العرب– يقتنعون بأن أمريكا صارت جمهورية موز، يحكمها كاذب جعل حلفاءها ينفرون منها.

إنني أرى أن ترامب بداية انهيار الإمبراطورية الأمريكية، فلن تعود أمريكا كما كانت قبل عام 2016 نهائيًا، ولن تستمر القطب الأوحد في العالم، لا أقصد بما أكتب أن أمريكا ستنهار غدًا، لكن أقصد أنها دخلت نفق الانهيار الذي تدخله الإمبراطوريات كلها بعد وصولها إلى القمة، وعجزها –وفق سنة الحياة– أن تستمر هكذا، لأن حكامها الأواخر قد انقلبوا على شرعية المؤسسين لهذا الإمبراطورية، وهذا حدث في إمبراطوريات العالم كلها.

أزعم أن أمريكا ستتراجع بوضوح في غضون ربع قرن بدأ من عام 2025، تحديدًا ولاية ترامب الثانية، وستظل بعده في التراجع المتدرج حتى تصعد دولة أو دول لتنافسها بقوة، وسيتضح هذا في السنوات القادمة.

يرى البعض أن ما صنعه ترامب مع إيران هو نفسه ما صنعته إنجلترا وفرنسا عام 1956 عندما هاجما مصر ومعهم إسرائيل دون رغبة المجتمع الدولي، ودون استشارة حلفائهما، فكانت النتيجة غياب شمس الإمبراطوريتين للأبد.

مقالات ذات صلة:

نهاية القوة الصلبة

قراءة في كتاب “ما بعد الإمبراطورية: تفكك النظام الأمريكي”

حين تتراجع الإمبراطورية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا