لغتنا الحبيسة .. الجزء الثاني

قبل عامين كانت ابنتي في الثانوية العامة، وكثيرًا ما كانت تطلب مساعدتي في الإجابة على أحد أسئلة البلاغة المقررة عليها، كانت الأسئلة صعبة عادة، وأحيانًا تبدو لي لغزًا عصيًّا، فأحاول فهم المراد والوصول إلى الإجابة النموذجية بعد تفكير وتقليب للأمر، وأنا المتخصص في البلاغة، بعدها تذهب ابنتي إلى غرفتها حانقة على العربية، تنتظر اليوم الذي تنتقل فيه إلى مرحلة تعليمية جديدة لا وجود فيها للنحو والبلاغة والنصوص، تذهب هي، وأبقى أنا أفكر في هذا الحال وكيف وصلنا إلى هذه النقطة التي جعلت تعلم العربية عبئًا وتذوق شعرها محالًا؟!
نستكمل في هذه المقالة الحديث عن حاضر اللغة العربية على نحو ما تبدو لنا في التعليم ما قبل الجامعي (الثانوية العامة تحديدًا)، ففي هذه المرحلة التعليمية يكون الطالب أنضج معرفيًا وعقليًا، وفي هذه المرحلة أيضًا يمكن اختبار حصاد عقد كامل من التعليم الممتد والمتصل، إذ تسلمه المرحلتان الابتدائية والإعدادية إلى الثانوية التي يمكن الحديث فيها عن طالب يمتاز بالجدية والمثابرة بإصراره على التعلم وحرصه على اكتساب المهارات اللازمة التي تتصل بكل العلوم والمعارف المقررة عليه.
ولا يخفى على أحد أن معضلة التعليم في مصر تتعدد أشكالها ومستوياتها، منها ما يتصل بزيادة عدد الطلاب مقارنة بتراجع عدد المدارس، ومنها ما يتصل بنقص كبير في عدد المعلمين مقارنة بأعداد الطلاب وفق معايير جودة التعليم، ومنها ما يرتبط بضعف التأهيل العلمي والتربوي للمعلم، فضلًا عن ضعف راتبه وتراجع مكانته الاجتماعية، وهذه كلها أمور معلومة لا تحتاج إلى مزيد من البسط والشرح، ولعلها لا تحتاج إلى أكثر من تدخل صاحب القرار وانحيازه للتعليم.
وإذا كانت هذه هي أزمة التعليم في مصر عمومًا، فإن اللغة العربية بحد ذاتها تؤشر على أزمة خاصة داخل الأزمة العامة، فهناك تراجع في تحصيلها وتأثيرها واهتمام الطلاب بها، بل هناك تساؤل صريح يطرحه الطلاب على المعلمين بخصوص الغاية من تعلم اللغة العربية، وأنت تدرك بالتأكيد أن الغاية من تعلم أي لغة ترتبط أوثق ارتباط بحضورها في المجتمع المحلي: مؤسساته العامة والخاصة وأنشطته الثقافية والفنية كلها، يلي ذلك تأثيرها في المجتمع العالمي: ثقافته صناعاته، تقنياته، والجميع يدرك تراجع حظ العربية في هذا وفي ذاك، فلا هي مؤثرة محليًا، ولا يشعر من لا يجيدها بأي خسارة مادية أو معنوية، كما أنها غير مؤثرة عالميًا، شأنها شأن العرب جميعًا في تلك الحقبة، وعلى مختلف المستويات: السياسية والاقتصادية ناهيك عن التأثير العلمي والتقني فيما يمور به عالمنا من قفزات وفورات.
والسؤال هنا: لماذا إذًا يدرس الطالب اللغة العربية؟
يمكن الحديث بالتأكيد عن أسباب قانونية وأخرى وجدانية تلزم الناس بتعلم العربية، فهي اللغة الوطنية التي نص عليها دستور البلاد، وهذا يجعل تدريسها فرضًا وتعليمها قانونًا، كما أنها لغة القرآن، ولا يمكننا قراءته وفهمه دون الإلمام بها، لكن هل تكفي هذه الأسباب وتلك الدوافع؟ وبعبارة أخرى هل نضمن استمرار الموقف القانوني والقناعات الوجدانية دون تغيير لكي يبقي الناس على العربية؟
وقد لا تختلف معي في أن هذا لا يكفي، ولا يدفع طالب اليوم إلى بذل مزيد من الجهد في تعلم هذه اللغة الشريفة، فغياب الحاجات العلمية والتداولية يجعل تعلمها أمرًا ثقيلًا، كما يجعل إجادتها –من الطلاب النابهين قبل الجامعة– عملًا مرحليًا يتصل بهذه المرحلة التعليمية تحديدًا، ثم سريعًا ما ينسى الطالب ما تعلمه لصالح الإنجليزية والألمانية والصينية وغيرها من اللغات التي تهيمن على العالم المعاصر، ولعل استقراء بسيطًا لما بقي من حصيلة لغوية لدى الطلاب النابهين بعد أشهر قليلة من التحاقهم بالجامعة يكشف لك عمق الأزمة، إذ تتوارى العربية سريعًا –وجدانيًا وقانونيًا وعمليًا– لصالح لغات أخرى تؤثر في الواقع وفي الوجدان، لنغدو إزاء الحقيقة العارية: إن اللغة التي تخرج من التنافس الحضاري تخرج من الممارسات اليومية.
النحو والبلاغة في المدارس
وإذا تجاوزنا هذا الواقع –رغم أنه يصعب تجاوزه– ونظرنا في الطريقة التي يدّرس بها النحو والبلاغة والنصوص الأدبية، وجدنا إشكالًا آخر يضاف إلى الإشكال السابق، فمناهج التربية في مدارسنا لا تساعد الطالب على تذوق النصوص وفهم خصوصياتها البنيوية والجمالية، لكنها تقدم له القاعدة والخلاصة الكلية التي تحيط بالظاهرة أو معظم جوانبها، وهذا جعل النصوص الجمالية الرفيعة محض شواهد على القاعدة، جعلها وسيلة إلى غيرها، ومن ثم فقد بات تذوقها والتأمل فيها أملًا بعيد المنال!
وإذا كان هدف واضعي المنهج ترسيخ القاعدة النحوية والبلاغية –التي هي موضوع الامتحان– في ذهن الطالب، فبدهي أن يكتفي الطالب والمنهج معًا بالجملة الواحدة لا النص، وبالبيت الشعري لا القصيدة، وهنا يغيب التذوق والإحساس بمتعة الجمال لصالح الحيل والألعاب والإلغاز التي تحكم المنهج وأسئلة الامتحان، وهنا يتراجع –إلى أقصى حد– الدافع الوجداني لتعلم اللغة العربية ويبقى الدافع الإلزامي القانوني الذي ينتهي –منطقيًا– بانتهاء الإلزام به، أي ينتهي بانتهاء الامتحان والتحاق الطالب بالجامعة.
فالطالب في المرحلة الثانوية يدرس البلاغة في صورتها المتأخرة التي تقوم على تقسيم الظاهرة الأدبية وتفتيتها إلى علوم: البيان والمعاني والبديع، وما يتصل بكل فرع من هذه الفروع من تقسيمات وتفريعات وتشقيقات صورية، حتى ليخيل إليك أن الغاية هي معرفة التقسيمات الصورية وتمييز أنماط الاستعارة وأشكال البديع، وهي تقسيمات ملغزة أحيانًا، وثقيلة على النفس دائمًا، فضلًا عن فقرها الجمالي والدلالي وانفصالها الكلي أو الجزئي عن وجدان الطالب وحاجته إلى تذوق الجمال.
وإذا كان ما سبق كلامًا في التصورات العامة بشأن فرعي النحو والبلاغة، فإن ملامسة الواقع والنظر في فرع النصوص الأدبية التي يقررها خبراء التعليم تضعنا إزاء معضلة أخرى، أو قل تظهر لنا جانبًا آخر من أزمة التعامل مع لغة لم يبق لطلابها من دوافع تعلمها غير حافزين: القانون والوجدان.
خبراء التعليم يقدمون عادة الجانب التربوي من النصوص على الجانب الجمالي، فيختارون من القصائد الأبيات التي تدل على الحكمة أو تؤكد على الأخلاق، وبالتأكيد لا توجد قصيدة تبنى من أولها على الحكم والوعظ الأخلاقي، ومن ثم يضطر خبراء التربية إلى نزع الأبيات المطلوبة من قصائدها، في تجاهل تام لجمالية البناء الجمالي وطبيعته.
يتجاهل أساتذة التربية وجهات النظر التي تعمل على رؤية الأخلاقي في الجمالي أو لا ترى تعارضًا بينهما، بل يتجاهلون طبيعة الجمالي الذي ينطوي بذاته على قيمته، وسوف أكتفي هنا بمثال واحد يدلك على هذه الفكرة المؤسفة، ففي منهج الصف الأول الثانوي مثلًا يقرر التربويون قصيدة “كعب بن زهير” المعروفة “بالبردة” التي مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيمٌ إثرها لم يجز مكبول
وهذه القصيدة تبلغ سبعة وخمسين بيتًا، لكن المنهج يختار منها عشرة أبيات فقط، وقد نتفهم صعوبة تقديمها كاملة نظرًا لطولها، إلا أن المقرر على الطلاب يخلو من المنطق الفني، فهو لا يقدم لهم أول عشرة أبيات، ثم يحيلهم على باقي القصيدة، لكنه ينتزع الأبيات المقررة بداية من البيت الرابع عشر، ولو تساءلنا لماذا هذه الأبيات تحديدًا، لوجدنا الإجابة ظاهرة، وهي أنه يتجاهل الافتتاحية الغزلية التي تقدم أوصافًا حسية لسعاد أو تتحدث عن الوصل والمواعدة، رغم أن القصيدة فيما تقول كتب السيرة قد ألقيت بين يدي الرسول الأكرم وأجازها وعفا عن صاحبها!
وإذا تركنا الاقتطاع والاجتزاء وجدنا أنفسنا أمام نصوص تجمع إلى رذيلة الاقتطاع رذيلة الضعف الفني، كما تجد في نص “السموأل” الشهير الذي مطلعه:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل
فالمنهج يقدم للطلاب تسعة أبيات فقط من واحد وعشرين بيتًا هي مجموع القصيدة، وقل مثل ذلك عن نص أبي الأسود الدؤلي. (النصوص من المقرر على طلاب الصف الأول الثانوي)
ما الذي يعنيه كل ذلك؟
يعني أن دارس اللغة العربية لن يتمكن من تذوقها، ولن يقدر نصوصها حق قدرها، ولماذا يفعل، ونحن نقدم له نصوصًا خطابية ضعيفة، لا ترضي عقله ولا تشبع روحه، ولا تمنحه الحق في التذوق والتفاعل مع النص؟!
وإذا كان الطلاب يدرسون العربية بدافع إلزامي قانوني باعتبارها لغة البلاد ويدرسونها بدافع وجداني باعتبارها لغة الدين، فالحق أنه لا أحد بمقدوره ضمان استمرار هذا الدافع أو ذاك، سيما ونحن نعيش حقبة جديدة من القفزات التقنية، ونعيش لحظة اجتماعية تسمع فيها الرطانات الأجنبية في الفضاء العمومي لبعض العواصم العربية حتى توشك أن تنكر هوية هذه العواصم.
نتابع في المقالة القادمة.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا