نهاية القوة الصلبة

أن تكون قويًا وتحافظ على حقوقك هذا مطلوب ومحمود، لكن أن تستأسد على خلق الله وتظلمهم فلا بد أن تأتيك الضربة بغتة من حيث لا تدري، وقديمًا قال العرب “إن البغاث بأرضنا يستنسر”، والمقصود بالمثل أن الطيور الضعيفة الذليلة تتمكّن لتجد فرصة وبيئة مواتية لتقوى وتتكبر على غيرها وتتحول إلى نسر باطش.
لم تكن أبدًا أمريكا منذ نشأتها مصدر السعادة والرفاه، إذ عضّت اليد التي امتدت إليها بالبناء والتشييد وتعبيد الطرق، فأذاقتها الويلات في العمل وداخل المناجم متمثلة في العمالة الإفريقية المستعبدة والهنود الحمر وغيرهم، وما أليكس هيلي وكتابه الجذور منا ببعيد.
تشكلت في المنطقة الوليدة الحضارة والثقافة والاهتمام بالزراعة وقام السكان الأصليون ببناء التاريخ العريق لأمريكا، ثم جاء الأوروبيون (الاستعمار) في القرن الخامس وما بعده، الذين تمرّسوا على الظلم والعدوان وسرقة مقدرات الشعوب واستغلال خيرة شبابها.
ثم تحوّل هذا البناء إلى قوة اقتصادية عظمى من فريق المستثمرين في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، بالاستثمار في قطاعات مثل: النفط والتمويل والصناعات، ومن الذين قادوا هذه القاطرة: روكفلر، وكارينجي، فاندربليت، وهنري فورد.
هذه البلاد النائية في أقصى الأرض أرادت أن تجد لنفسها موطئ قدم في العالم الذي يعج بالمستعمرات التي تئن من الرزح تحت وطأة البطش والطغيان.
لقد أبت الولايات المتحدة الانخراط في الحروب في بداياتها، ثم دخلت ميادين الحروب وأقحمت نفسها بالاعتداد والافتخار بقوتها، ويا ليتها سخّرت نفسها لنصرة المظلومين ونشر العدل، بل أصبحت كما يقول المثل: ” كانت في جرّه وخرجت لبرّه”، بسياسة فرض الأمر الواقع واختلاق حجج واهية.
أصبحت منافسة للاتحاد السوفيتي، وبعد تفككه استأثرت بلقب القوة العظمى الأولى في العالم، وما ثار دهشتي انسياق أوروبا التي احتلت معظم الكرة الأرضية خلفها بل وتأييدها المطلق.
ظهر هذا الانقياد في استلال مصطلح “تحالف دولي” الذي دأبت عليه أمريكا ضد كل من لا يوافقها ولا يدخل في ركابها، ثم في ليلة وضحاها يصدر قرار من مجلس الأمن الدولي (الأمريكي)، كما فعلوا مع أفغانستان بحجة محاربة الإرهاب بعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، ومن بعدها بالكيفية نفسها فعلت في غزو العراق عام 2003م، بذريعة السعي لامتلاك سلاح نووي وتعطيل المفتشين الدوليين، والهدف الخفي الذي أصبح مفضوحًا بعد ذلك هو سرقة نفطه وإضعاف قدراته العسكرية، وسواء في أفغانستان أو العراق قُتِل المدنيون بدم بارد بحجج واهية، ثم بعد انتهاء الحرب يصرّح المسؤولون سواء في أمريكا أو إنجلترا أو فرنسا بوجوه كالحة مثل توني بلير أننا أخطأنا في دخول هذه الحرب لأنه لم يكن هناك أي تهديد!
الولايات المتحدة تَعُد نفسها شرطي العالم الأوحد، وقد أطلق جورج بوش الابن مصطلح “محور الشر” على: العراق وإيران وكوريا الشمالية، ولن تستطيع أمريكا فعل شيء مع كوريا الشمالية، إنما جاء اسمها لذرّ الرماد في العيون لأنها تمتلك ترسانة نووية وصواريخ عابرة للقارات، والعالم لا يحترم إلا الأقوياء، وهذا ما حدا برؤساء أمريكا لقطع رأس العراق، ومن بعدها تحاول مع إيران للحيلولة دون امتلاكها السلاح النووي الذي يهدد ابنتها غير الشرعية إسرائيل. ويمكن القول: إن كل رئيس لأمريكا يصل إلى سدّة الحكم يكون من ضمن برنامجه تدمير دولة أو دولتين.
افتعلت إسرائيل المشكلات مع إيران، كجار مشاكس لا يستطيع العيش بسلام، فورّطت أمريكا –الداعم الرئيس لها بلا قيد أو شرط على طول الخط– بذريعة تهديدها بسعي جمهورية إيران الإسلامية لامتلاك القنبلة النووية، ويخشى المراقبون أن تتحول هذه الشرارة إلى حرب عالمية، لقوة تسليح إيران واستعدادها الجيد لاعتقادها أنها حرب وجودية من ناحية، ومن ناحية أخرى علاقاتها الوطيدة والشاملة مع روسيا والصين وبخاصة في مجاليّ التسليح والطاقة، مما أكسبها جرأة لضرب العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية الموجودة في دول الخليج العربي ومؤخرًا منطقة مفاعل ديمونة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
لقد استفاقت أوروبا أخيرًا من هذه التبعية بعدما رأوا أمريكا المتمثلة في رئيسها ترامب يبيعها مع أول تاجر يعطي له سعرًا أعلى، فاهتزت الثقة بينهم، وظهر حنق أوروبا وضجرها في حرب روسيا وأوكرانيا، إذ قدّم ترامب مصلحة أمريكا على أمن أوروبا، وليس العمل كشركاء، فضلًا عن فرض رسوم على بعض الدول الأوروبية، وغيرها من المواقف، مما دفع أوروبا إلى التراجع أو على الأقل التردد والتحفظ بعدم إقحام نفسها في حرب إيران، وهذا موقف لافت، إذ كانت إنجلترا وفرنسا أول المؤيدين ثم تليهم دول أوروبا واليابان وغيرها.
إن الانسياق وراء إسرائيل، والعربدة والدخول في مناوشات وحروب وفتح جبهات من شأنه تقويض الإمبراطورية الأمريكية وتفكيكها كنظيرتها السوفيتية، فالأمر لا يحتاج كثير عناء سوى إعلان ولاية أمريكية الاستقلال فتليها أخواتها، أو دخولها في حرب استنزاف مفتوحة، ومن ثم السحب من المخزون والتأثير على الداخل الأمريكي، فالحضارات تقوم على البناء والاستقرار والتعاون، لا على النهب واحتلال الدول وضرب الاستقرار وتغيير الأنظمة وفرض الوصاية والهيمنة.
مقالات ذات صلة:
إسرائيل بين الأندلس والولايات المتحدة الأمريكية
هذا هو ما سيصنع نهاية المجرمين
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا