الإيجابية السامة

“خليك دايمًا إيجابي، ما تخليش حاجة تعطلك مهما حصل، اضحك دايمًا وانسَ الزعل، أي حاجة بتحلم بيها لازم تحققها”.
جمل وعبارات بنسمعها كتير، بنرددها، وأحيانًا بنواسي بيها نفسنا واللي حوالينا. بنفتكرها طوق نجاة من الوجع والحزن، لكن الحقيقة إنها في أوقات كتير بتبقى محفزات مؤذية، شكل ناعم ومقنع من الإيجابية السامة.
الإيجابية السامة مش إنها تديك أمل، لكن إنها تنكر ألمك. مش إنها تشجعك، لكن إنها تقولك: “مش من حقك تزعل”.
مافيش خلاف إننا بنعيش حالة من الصحوة في مجال الصحة النفسية في السنوات الأخيرة، بداية من موجة التنمية البشرية اللي اجتاحت العالم سنين طويلة، مرورًا بمفاهيم البرمجة اللغوية العصبية (NLP)، واللي كان من أبرز روادها الدكتور إبراهيم الفقي رحمه الله، ثم الخطب التحفيزية اللي حاولت دايمًا تشحن الناس وتدفعهم للاستمرار رغم العقبات، وصولًا لمفهوم الـ”لايف كوتش” اللي بقي حاضر بقوة دلوقتي.
كل الاتجاهات دي كان هدفها المعلن هو تقليل المعاناة، وتصحيح مفاهيم مغلوطة، وتحسين جودة حياة الإنسان. وده في حد ذاته شيء نبيل ومهم، ومحدش يقدر ينكره.
والحقيقة برضه إن كل مرحلة من المراحل دي نجحت بدرجات متفاوتة إنها تحرك ناس كتير، تطلعهم من منطقة الراحة بتاعتهم (Comfort Zone)، وتخليهم أكثر نشاطًا وإنتاجًا.
حتى لو كان الهدف غير المعلن أحيانًا هو زيادة الإنتاج، وتحريك عجلة الاقتصاد، واستغلال أقصى طاقة ممكنة من كل فرد، بحيث يفضل الإنسان محض ترس شغال في ماكينة ضخمة اسمها “سوق العمل العالمي”.
وطبعًا، زي أي مجال بيتعامل مع النفس البشرية، كان له رواده الصادقين، وكان له صناع قرار، وكان له للأسف مرتزقة ودجالين. لأن كل ما يقترب من النفس له سحر خاص، أي شخص متألم، متعثر، تايه، بيبقى فريسة سهلة لأي وعد سريع بالخلاص.
وهنا بالضبط تبدأ الإيجابية السامة: لما يتحول الدعم لإنكار، والتشجيع لقمع، والأمل لإجبار.
بيكون الإنسان في اللحظة دي أحوج ما يكون لبصيص نور، أو حتى كلمة تطمنه إنه مش لوحده. ده بالضبط اللي خلى أي دجال أو نصاب ينجح، ويكتسب قيمة وتأثير عند ناس كتير، مش لأنه عنده حل حقيقي، لكن لأنه لمس احتياج حقيقي.
وساعد في انتشار هذا الخلط مفهوم علم النفس الإيجابي، واللي اتفهم واتطبق بطريقة مغلوطة في حالات كتير.
علم النفس الإيجابي ما كانش مقصود أبدًا إننا نتخطى المشاعر السلبية أو ندفنها أو نتجاهلها أو نرفض وجودها، لكن كان هدفه الأساسي هو فهم المشاعر الإيجابية وتعزيزها، بإدراك المشاعر السلبية والتعامل معاها، مش إنكارها.
الفكرة مش إنك تمنع الغضب، لكن إنك تتعامل معاه، إنك تتعلم تطلع من الغضب بحلول، مش تفضل واقف جوه الغضب.
إنك تحول الغضب لطاقة تخليك: تاخد حقك، ترسم حدودك، تحمي نفسك، مش تخليه يكلك من جوه.
وكذلك في المحن، الفكرة مش إنك تقول: “خير” وخلاص وأنت موجوع، لكن إنك بعد ما تعترف بوجعك، تتعلم تشوف: المحنة دي نورت في إيه؟ كشفت لي إيه عن نفسي؟ خلتني أنضج فين؟ خلتني أفهم مشاعري أعمق إزاي؟
الأزمة الحقيقية مش في الفكرة.. الأزمة في التطبيق.
انتشار أشكال غير مهنية من الدعم النفسي خلق صورة مشوهة للدعم، وولد مفهوم الإيجابية السامة: الإيجابية اللي بتعاملك كأن حزنك تهمة، وإنسانيتك ضعف، وزعلك ذنب محتاج تتوب منه.
إنك تكون شخص إيجابي مش معناه إنك تضحك دايمًا، ولا إنك تنكر الألم، ولا إنك تزوق الواقع. الإيجابية الحقيقية معناها إنك تعرف تشوف الخير حواليك، وتشوف النور حتى في لحظات الظلام الدامس.
والمثال الشهير اللي بنسمعه دايمًا: “شوف نص الكوباية المليان”. لكن الحقيقة إنك لو شفت النص المليان بس، دا في حد ذاته قصور في النظر، ومحدودية في الوعي.
علشان تحكم على الأمور بصدق، لازم تشوف الصورة كاملة: النص الفاضي والنص المليان، وتعرف حجم الوعاء نفسه، وقد إيه يقدر يستحمل. لأن أحيانًا المشكلة مش في الكوباية، لكن في اللي شايلها لوحده من غير ما يعترف إنه تعبان.
وإمتى يكون الإناء فاضي؟ وإمتى يكون مليان؟ حتى الإناء اللي مفيهوش سوائل، جواه هوا. يعني مش كل فراغ فشل، ومش كل نقص تقصير.
التركيز القسري على الجزء الإيجابي مش هو الإيجابية، ورفض رؤية الجزء السلبي، أو الهروب المستمر منه، مالوش أي علاقة بالصحة النفسية.
الإيجابية الحقيقية في الرضا، في تقبل الموجود كما هو، قبل أي محاولة للتغيير. في إنك تعترف بالحياة بشروطها، ومن أهم شروطها: الموجات والتقلبات وعدم الثبات.
ما فيش وضع ثابت طول العمر، الثبات المستمر عكس الحياة. أنت عايش طول ما أنت بتتحرك، بتسعى، وفي طريقك عثرات وهزات وتغييرات. ولما تقبل التقلبات دي، تعرف تتعامل معاها.
ومنتهى الإيجابية إنك تدرك الموجود، وتلاقي طريقة مناسبة للتعامل معاه، مش إنك تنكره أو تتظاهر إنه مش موجود.
اتعلمنا في المدارس إن الإنسان تميز عن باقي الكائنات بنعمة العقل، لكن النعمة الحقيقية للعقل مش التفكير بس، هي الوعي والتمييز.
أي حيوان لما يخاف أو يغضب، يا بيهاجم يا بيستخبى. اللي بيميز الإنسان إنه يقدر يسمع أصوات مشاعره المختلفة، يفرق هو خايف؟ ولا حزين؟ ولا غضبان؟ علشان يعرف مشاعره بتقول له إيه، ويتعامل معاها إزاي، وما يكونش رد فعله الوحيد هو الغضب أو الهروب.
والطفل الصغير بيتعلم يفك شفرات المشاعر بدري، أول ما يبدأ يقرأ الوشوش. يحس اللي قدامه حاسس بإيه، وعايز يوصل له إيه. يزعل لو حس إن بابا أو ماما زعلانين منه أو رافضينه، ويفرح جدًا لما يعمل حاجة تخلي الكبار يضحكوا، أو يشجعوه، أو يصفقوا له.
قبل ما الطفل يعرف يفسر مشاعره، بيكون شاطر جدًا في استقبال مشاعر الآخرين. وكل ما تسمح له بالبكاء من غير استعياب، ومن غير ضغط، ومن غير جمل قاتلة زي: “عيب.. كبرت على العياط!”، كل ما بتديله مساحة يقرب من نفسه، يفهم اللي جواه بهدوء، يتعامل مع مشاعره، ويحترمها. وده أساس الصحة النفسية، مش الإيجابية المزيفة.
حن نرتقي في سلم التطور بقدر قدرتنا على رؤية مشاعرنا واحترامها. أنت نسخة أفضل من نفسك لما تتحسن علاقتك بمشاعرك، لما تفهم قيمتها، وتدرك المعنى اللي وراها.
أسوأ ما في الإيجابية السامة إنها بتضغط عليك باستمرار إنك تتخلى عن جزء أصيل منك: مشاعرك الداخلية.
حزنك ما يخليكش شخص كئيب، حزنك يخليك إنسان قادر يحس. وخوفك مش ضعف، الخوف إنذار، تنبيه إن في خطر قريب، أو حاجة محتاجة وعي. كل شعور سلبي جواك له معنى وهدف، مش محتاج تقتله ولا توئده، محتاج بس تستوعبه وتبطل تخاف منه.
كل ألوان المشاعر محتاجة مساحة وزمن. المساحة دي هي اللي بتزود وعيك بنفسك وبالحياة. حاجات كتير فهمناها بس لما اتوجعنا، اكتشفنا عن نفسنا جوانب ما كانتش في بالنا، عرفنا إن جوانا قوة وحكمة أحيانًا بتفاجئنا.
وأوقات الوجع بتصحي جواك جزء هش، جزء ما كنتش شايفه ولا متواصل معاه. بعد الألم بتحس أعمق باللي حواليك، تفهم مشاعرهم بطريقة مختلفة، تعرف تقرأ ما بين السطور، وتلاحظ السكتات، وحبسة الدموع في العيون.
ومن الصور السلبية اللي انتشرت جدًا، خصوصًا مع السوشيال ميديا، حب الذات المزيف. الصورة المشوهة لمعنى (Love-Self). واحدة بتتصور مع القمر وتقول: في الصورة قمرين، واحد يشبه نفسه بقطة في جمالها، وواحدة تدلع نفسها كأنها شخصية كرتونية.
كل دا مالوش علاقة بحب الذات دا تشويه لمعناه. حب الذات الحقيقي هو التوازن: إنك تعرف نفسك، وتدرك قيمتها، وتكون واقعي ومتزن في نظرتك ليها. المبالغة في حب الذات مش صحة نفسية، دي صورة مرضية وغير حقيقية.
ومن أخطر صور الإيجابية السامة إنها بتحمل عبء إضافي على اللي بيعاني: إنه لازم يحب نفسه طول الوقت، بنفس القوة، وبنفس الطريقة. ودا غير واقعي، مشاعر الحب زي أي شعور بتزيد وتقل.
وارد جدًا يمر عليك وقت ما تكونش قادر تحب نفسك، ولا تشوفها بوضوح، ولا تتواصل معاها كويس. وارد تشوف بس النواقص، وتحس بتناقض داخلي. ساعتها، الحل مش إنك تجبر نفسك تحبها، لكن إنك تتقبلها. ترجع للأصول: إن جواك مشاعر إيجابية وسلبية.
مشاعرك السلبية وارد تطغى عليك، وارد تكسرك، وارد تهزمك مؤقتًا، وارد تخرج منك تصرفات ما كانتش في الحسبان. لكن في النهاية، الشعور السلبي بيمر. وحب نفسك ليها طرق مختلفة، مش قالب واحد.
ومن أكثر صور الإيجابية السامة انتشارًا في مجتمعنا هو تعاملنا مع الحزن. لما نشوف حد بيبكي، أول رد فعل تلقائي: ما تعيطش، خليك جامد، استحمل، الكلام دا غالبًا نابع من حب وخوف، لكن تحتهم في مشاعر أعمق: قلقك أنت، وخوفك أنت من الحزن.
أنت بتخاف الحزن يمتلكك، فبتتعامل معاه كعدو. تحاول تطرده من اللي قدامك، تكتمه جواه، وترفض مشاعره. حتى لو بنية طيبة، المحصلة ضغط، وأذى.
كل جرح مكتوم بيعمل تراكمات، وبيؤدي في الآخر للانفجار. وكل شعور لا يستقبل ولا يفهم، بعد شوية بيتحول لأكبر مصدر ضغط وأزمات نفسية.
اسمح لمشاعرك السلبية تاخد وقتها، واسمح لغيرك يحزن ويخاف ويقلق، الشعور السلبي أحيانًا بيفجر طاقات جديدة، الشخص محتاجها علشان يتخطى.
وأفضل مساعدة ممكن تقدمها لحد إنك تكون دليل مش قاضي. تكون الوعاء، مش المطرقة. تكون موجود، مش ضاغط. قول له: “أنا جنبك.. أنا موجود.. حاسس بيك.. قولي محتاج إيه وأنا معاك”.
الإيجابية مش إنكار، الإيجابية حركة بتوازن.
ومنتهى الإيجابية إنك تكون مدرك للي جواك، فاهم حدود طاقتك، وعارف اتجاهك، وعندك طرق تشحن بيها نفسك. وارد تتوجع، وارد تتكسر، بس بلاش تستسلم، وبلاش ترفع الراية البيضا.
اسمح للضيف التقيل ياخد واجب الضيافة، علشان يمشي من غير ما يسيب أثر سام جواك. بعدها تكمل طريقك وأنت واعي، ومشرق، ومتقبل نفسك، من غير لوم ولا كبت ولا قسوة.
دي الإيجابية الحقيقية.
مقالات ذات صلة:
علم النفس الإيجابي في مخططات عامة
التفكير في علم النفس وأنواعه وخصائصه
عن المعاناة والألم والقلق حوافز للتغيير
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا