حرب الجغرافيا والتاريخ

كان فشل أجهزة الاستخبارات ومراكز الدراسات فشلًا ذريعًا في النظر الاستراتيجي لهذه الحرب الدائرة الآن في الشرق الأوسط، فقد تعاملوا مع الجزئيات وأهملوا تمامًا الكليات، كانت معلوماتهم عن أماكن القادة ومراكز التسليح وما إلى ذلك معلومات تكنولوجية متطورة ودقيقة، وهو ما أدى بهم إلى الاغتيالات والإصابات.
لكن معلوماتهم عن الجغرافيا والتاريخ كانت بائسة جدًا، وهو ما أدى إلى تحقيق التوازن الذي أوصل الحرب إلى أسبوعها الرابع، وهو أيضًا ما يفتح لنا نافذة لنكتشف منها كم هي هذه الأجهزة محدودة وتدور في دائرة مغلقة تتحدث عن كل شيء وتغفل تمامًا أصل كل شيء.
على أننا عشنا دائمًا على أن أجهزة الغرب تعلم تفاصيل كل شيء عنا وعن أحوالنا وهو ما أتضح أنه غير صحيح وخاطئ تمامًا.
فشلوا في قراءة التاريخ ولم ينتبهوا أن إيران أمة قديمة مهما تعددت قومياتها، أمة تحمل على عاتقها تاريخًا طويلًا عريضًا، يعتزون به، ويعتبرونه أصل وجودهم وما زالت لغتهم وأعيادهم دليلًا على ذلك.
فقد قبلوا الإسلام ولم يقبلوا اللغة العربية، واستمروا على لغتهم.
ثم كانت ثورة الأئمة (1979م) التي أقامت جمهورية إسلامية كما نعرف، وهي ثورة شعبية حقيقية ومتجذرة في واقع المجتمع والدولة، وأخطأ الغرب كثيرًا حين تصورها مثل الاتحاد السوفيتي والثورة البلشفية التي سرعان ما انهارت، وكلنا يعلم التلاعب الذي حدث وقتها في أوروبا ودور اليهود في ثورة 1917م.
اللافت أن المذهب الشيعي تمثل فيه الإمامة والقيادة على المستوى السياسي والديني شأنًا كبيرًا، وهو ما جعل الثورة تستمر وتمتد إلى ما يقرب من نصف قرن.
ومن ضعف الوعي المخابراتي تصوروا أن غياب الإمام سيجعل النظام ينهار فجأة بخروج المظاهرات، رغم أن ثقافة الإمام الغائب هذه، متغلغلة في الوعي الشيعي أصلًا، ليس هذا فقط بل وثقافة “الدم والحزن والثأر” التي تمثل وقودًا تاريخيًا ممتدًا للفكرة الشيعية كما ذكرنا سابقًا.
ولعل تجربة أمريكا في العراق سنة (2003م) جعلتها تتصور أن إيران ستكون كذلك! رغم علمهم أن النظام العربي الرسمي بعد الخمسينيات شيء مختلف تمامًا لاتساع المسافة بين القيادات والشعوب، وإن بالغوا في الهرج الإعلامي والدعائي.
هذه هي المرة الثانية في وقت متقارب الذي يصطدم فيها الغرب وإسرائيل بنوعية مختلفة تمامًا من المواجهات العسكرية في شرقنا الحبيب.
الأولى كان في “طوفان الأقصى” في غزة واستمرت عامين، وفشل الغرب وإسرائيل في تحقيق أهدافهم، وإن بالغوا في القتل والتدمير والإبادة. لكنهم فشلوا في تحقيق ما كانوا يفعلونه مع الأنظمة العربية التقليدية، وكان إخفاقهم عظيمًا. والثانية في إيران (2026م) وإن بالغوا أيضًا في القصف والتدمير.
في الحالتين واجه الغرب وإسرائيل “الفكرة الدينية” قلب الوجود في الشرق الأوسط، كانت وما زالت وستظل.
هذا الفشل التاريخي طرح سؤالًا بريئًا جدًا: ما دخل إسرائيل في هذه الحرب؟
المفترض أنها حرب أمريكا، التي تريد تغيير النظام الذي يعاندها من 50 سنة، ألم يكن ممكنًا لإسرائيل أن تنأى بنفسها وتكتفي بالمساعدة الإقليمية مثلًا، وهي ما زالت خارجة من حرب استمرت سنتين وأنهكتها كثيرًا؟ وهذه حرب مختلفة عن حرب الصيف الماضي.
هنا سيطل علينا الوهم برأسه مصحوبًا بالأطماع الشخصية والذاتية والفساد، وسنرى أنه ما من حاكم خدع شعبه واستغفله طويلًا مثل ما فعل نتنياهو ومن معه من المتطرفين.
الرجل يكذب بسماجة منقطعة النظير ولا أدرى كيف تنطلي أكاذيبه على الناس وتمنحه وائتلافه أغلبية!
وإذا كان السبب كما تقول بعض الدراسات أن النفوذ اليهودي في أمريكا يريد تفتيت الدول الإسلامية الكبرى ذات الحضارات التاريخية (إيران، تركيا، مصر، العراق، باكستان)، فهذا فشل مضاف إليه، في القراءة التاريخية، لأن ذلك ضد واقع الحال التاريخي والحضاري والديني.
وهو ما يؤكد وجه النظر في أن المحصلة المخابراتية عند الغرب وإسرائيل ضعيفة وهشة، ولا تقوم على معطيات صحيحة، كما أن كلام برنارد لويس المستشرق اليهودى الإنجليزي عن الشرق المفتت لا يزال يطن في آذانهم، رغم ثبوت ضحالة أفكاره وخروجها عن النسق العلمى والمنهجي.
إسرائيل تتجه إلى قدرها بأقدامها، وهو القدر الذي سيتحقق إن شاء الله، وتحدثوا عنه كثيرًا في إسرائيل ذاتها بقرب الزوال ونهاية الدولة.
هذا عن التاريخ، فماذا عن الجغرافيا؟
قد يكون الأمر فيما يخص هجوم إيران على الدول الخليجية فيه بعض الشطط، ولا يتفق عليه كثيرون، ولا نعرف حتى حجم الأضرار التي أصابت القوات الأمريكية في هذه الدول، لكننا رأينا انسحاب حاملتي طائرات في مقدمة الحرب.
واللافت في هذا السياق هو الحديث عن وصول قوات أمريكية برية للانتشار في الشرق الأوسط،
أين ستنتشر؟ وهل انتشارها بموافقة دول المنطقة؟ التي أصبحت تنظر إلى الوجود الأمريكي لديها نظرة مختلفة تمامًا عن ما قبل الحرب، فقد كان هذا الوجود سببًا مباشرًا في دخولها داخل دائرة النار.
لكني أخشى أن تكون هذه القوات على غير رغبة الدول الخليجية وأنها موجودة لتواجه التذمر الذي يعم الدول الخليجية مما حدث لها بسبب هذه الحرب التي وصفها الرئيس الألماني أول أمس بأنها خطأ كارثي.
ومعروف أن أوروبا لم تنظر إلى هذه الحرب بعين الرضا، وقالت أنها ليست حرب أوروبا، في تحديد لمسافة مهمة بينها وبين حروب أمريكا، حليفتها التي تغلغل فيها الفساد والابتزاز السياسي من اللوبيات المنظمة.
ورأينا كيف كانت استقالة جو كينت مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب احتجاجًا على الحرب وعلى تغلغل اللوبيات، في التأثير على صناعة القرار في أمريكا، لكن موقف أوروبا هنا سيلفت نظرنا أيضًا إلى موقفها التاريخي من إسرائيل وضلوعها في هذه الحرب.
“لم يبق للأرض من سر تكاتمه** إلا وقد أظهرته بعد إخفاء”، وما زلنا في انتظار ما هو أكثر.
استفادت إيران استفادة كبيرة من سيطرتها على مضيق هرمز والتحكم في عبور مصادر الطاقة عبره، والحق أنها كانت صفعة قوية للنظام الدولي بأكمله، الذي تسببت أمريكا وحليفتها في اضطرابه بهذه الحرب الكارثية، وكما فشلت الأجهزة في أمريكا في نظرتها السطحية لسرعة انهيار النظام، فشلت أيضًا في توقع أن تقوم إيران بهذه الخطوة الكبيرة، التي كان لها دور مؤثر للغاية في مسار الحرب.
قدمت لنا هذه الحرب معطيات هامة وخطيرة تتعلق بقراءة موازين القوى في المنطقة وعلاقاتها بالنظام الدولي، وأظهرت أن المنطقة قادرة على أن تواجه أعداءها بقوة وشراسة ولا تستسلم لمنطق البغي والاستعلاء.
ستحاول أمريكا بالطرق كلها أن تعيد الواقع بعد الحرب إلى ما كان عليه قبل الحرب، وتكمل الألاعيب القديمة.
وللمرة
الثانية سيقفون ضد الجغرافيا وضد التاريخ.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا