الإنسان مشروعًا للتزكية .. والحضارة ثمرةً للوعي

لم يكن الحديث عن بناء الإنسان في التصور الإسلامي ترفًا فكريًا ولا خطابًا إصلاحيًا هامشيًا، كما أسلفنا في الفصول السابقة، بل كان في صميم الرسالة منذ لحظتها الأولى. فالقرآن الكريم لم ينزل ليقدّم منظومة تشريعات مجردة، ولا ليؤسس طقوسًا معزولة عن الحياة، وإنما جاء ليعيد تشكيل الإنسان من الداخل، تصورًا ووجدانًا وسلوكًا.
من هنا كان الإنسان محل الخطاب وموضوع التغيير وغاية الإصلاح، إذ إن كل عمران خارجي لا يسبقه عمران داخلي يظل هشًّا قابلًا للانهيار عند أول اهتزاز في القيم أو الوعي. ولهذا المعنى العميق يقرر الدكتور عبد الكريم بكار قاعدة منهجية جامعة حين يقول: “المنهج الرباني الأقوم يستهدف الإنسان على نحو أساسي، فإذا صلح أمكنه أن يصلح كل ما حوله، وإذا فسد أفسد كل ما حوله” (1). فالعمران في جوهره ليس بناء حجر بل بناء بشر، وليس إصلاح أنظمة بل إصلاح وعي.
إن بناء الإنسان، بهذا المعنى، ليس مرحلة تمهيدية تتجاوز، بل مسار دائم يلازم كل مشروع حضاري. فالإنسان هو الأداة والغاية في آن واحد، وإذا اختل وعيه اختلت البنى التي يقيمها كلها. ومن هنا تتبدّى العلاقة السببية العميقة التي يربط فيها القرآن الكريم بين فساد الإنسان وفساد العمران، وبين صلاحه وصلاح الأرض، قال الله تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الروم: 41).
ويعدّ الوعي التزكوي المفهوم المركزي الذي تنتظم حوله عملية بناء الإنسان في الإسلام. فهذا الوعي لا يكتفي بتشخيص السلوك الظاهر، بل ينفذ إلى الجذور الباطنية التي تنتج هذا السلوك: الإدراك، النية، الدافع، الغاية. فالإنسان –كما يوضح الدكتور عبد الوهاب المسيري– لا يتفاعل مع الواقع تفاعلًا آليًا مباشرًا، بل تفاعلًا إدراكيًا مركّبًا، إذ “الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يستجيب مباشرة للمثيرات، وإنما يستجيب لإدراكه لهذه المثيرات وما يسقطه عليها من رموز وذكريات” (2). ومن هنا فإن إصلاح السلوك دون إصلاح الإدراك يظل علاجًا للأعراض لا للأسباب.
اقرأ أيضاً: من منطق الصحة إلى منطق الصلاحية
وحين يقول الله في القرآن الكريم: “قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا” (الشمس: 9). فإنه يربط الفلاح –بكل دلالاته الوجودية– بهذه العملية العميقة. فالتزكية ليست تجميلًا أخلاقيًا سطحيًا ولا التزامًا سلوكيًا شكليًا، بل إعادة تشكيل للذات من الداخل، تخرج الإنسان من أسر الأهواء ومن التماهي غير الواعي مع العادات والموروثات.
وهذا يفسّر لماذا لا يكون الوعي التزكوي وعيًا نظريًا مجردًا، أو انفعالًا عاطفيًا عابرًا، بل يجب أن يكون وعيًا تركيبيًا يجمع بين العقل والقلب، وبين المعرفة والوجدان. فالعقل نفسه، في الرؤية الإسلامية، ليس أداة حيادية تعمل في فراغ قيمي، بل كيان أخلاقي رمزي معقّد، إذ “عقل الإنسان ليس محض مخ مادي، صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات المادية، وإنما عقل له مقدرة توليد، كما أنه مستقر كثير من الخبرات والمنظومات الأخلاقية والرمزية” (3). ومن هنا فإن العقل غير المزكّى قد يتحول إلى أداة تبرير للهوى، بدل أن يكون أداة تقويم وترشيد.
وقد “اكتُشِف أمر مهم: أن عدد خلايا المخ أقرب إلى أن يكون ثابتًا، لكن الذي يتغير هو كيفية تواصل وتلاحم هذه الخلايا، فكلما درب الإنسان نفسه، وأجهد دماغه بالتفكير زاد عدد الوصلات وتحسن التحامها، وهو ما يؤدي إلى مقدرة أكبر على الاستيعاب، ويرفع في درجة الذكاء، والعكس صحيح”. (4). إن العقول لا تقاس بعدد خلاياها، بل بعمق وصلاتها. كل فكرة تتأملها، وكل مسألة تجاهد نفسك في فهمها، هي خيط جديد ينسج في نسيج وعيك. العقل الذي نرهقه بالتفكير لا يتعب بل يتسع، والذهن الذي نحسن تدريبه لا يشيخ بل ينضج.
ويحتل القلب موقع الصدارة في هذا البناء، لأنه مركز الإدراك القيمي ومحور التوجيه الداخلي. فالقلب في الرؤية القرآنية ليس وعاءً للعاطفة فحسب، بل موضع الفهم العميق والتقدير الأخلاقي. وحين يفسد القلب يختل ميزان التقييم، فيرى الإنسان الباطل حقًا والحق باطلًا، مهما امتلك من أدوات التحليل والمنطق. وهذا ما ينطق به حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” (متفق عليه)، وهذا ما ينسجم مع الرؤية التي تؤكد أن الإنسان “ظاهرة متعددة الأبعاد ومركبة غاية التركيب، ولا يمكن اختزاله إلى بعد واحد من أبعاده”. (5). ولهذا كان إصلاح القلب المدخل الحقيقي لإصلاح الإنسان. فالتزكية لا تبدأ من الجوارح بل من الداخل، من إعادة ترتيب ما يحبه الإنسان وما يكرهه، وما يقدّمه وما يؤخّره. وحين يستقيم القلب، تستقيم بقية البنى تبعًا له.
اقرأ أيضاً: العقل والتربية
وتكشف التجربة النبوية بوضوح أن بناء الإنسان كان سابقًا على بناء الدولة والمؤسسات. فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم في مكة سنوات طويلة وهو يعيد تشكيل وعي الأفراد، ويحررهم من عبودية الأصنام الظاهرة والخفية، ويزرع فيهم قيم التوحيد والمسؤولية والعدل. ولم يكن هذا التأخير في بناء الكيان السياسي عجزًا، بل وعيًا بمنطق السنن، إذ لا تقام دولة راشدة على نفوس مشوهة.
وفي هذا السياق، تتجلّى أهمية التربية بوصفها الرافعة الأساسية لأي نهضة، فكما يقرر الدكتور ماجد عرسان الكيلاني أن: “تحقيق إنسانية الإنسان هو الشرط الرئيسي الذي تدور في فلكه قوة المجتمعات وقيام الحضارات” (6). فالتفوّق الحضاري في جوهره تفوّق تربوي.
ويمثل شهر رمضان، في هذا الإطار، مختبرًا تربويًا مكثفًا لإعادة تفعيل الوعي التزكوي. فهو زمن تُعلَّق فيه بعض الشهوات، لا لإلغائها، بل لكسر سلطانها، ويُدرَّب فيه الإنسان على تأجيل الإشباع وضبط الرغبة ومراقبة الذات. وهي مهارات نفسية أساسية في بناء الإنسان الواعي، بخاصة إذا أدركنا أن مخ الإنسان يحوّل الأفعال المكررة إلى عادات توفيرًا للطاقة، فالصيام يعيد برمجة العادة، ويمنح الإنسان قدرة واعية على التحرر من السلوك الآلي.
غير أن التزكية لا تثمر ثمارها الحقيقية إذا فصلت عن الحرية الداخلية. فالإنسان لا يستقيم طويلًا بدافع الرقابة الخارجية، بل حين يتحول الضبط إلى قناعة داخلية. ولهذا كان الإسلام يمنح الحرية ويؤطرها في آن واحد، فالإسلام أعطى الإنسان الحرية وقيدها بخمسة قيود –كما ينسب ذلك إلى الإمام السخاوي، والغالب أنها تلخيص لمبادئ عامة ذكرها في مؤلفاته– هي: بالفضيلة حتى لا ينحرف. وبالعدل حتى لا يجور. وبالحق حتى لا ينزلق مع الهوى. وبالخير والإيثار حتى لا تستبد به الأنانية. وبالبعد به عن الضرر حتى لا تستشري فيه غرائز الشر. فالحرية هنا ليست نقيض التزكية، بل ثمرتها.
اقرأ عن: الفطرة الإنسانية وأسباب انحرافها
ومتى ترسّخ الوعي التزكوي تحوّل إلى آلية نقد ذاتي مستمرة، تُمكّن الإنسان من مراجعة نفسه دون جلد، وتصحيح مساره دون إنكار، والاعتراف بضعفه دون انهيار. وهو ما يجعل الإنسان كائنًا في صيرورة دائمة، لا منتجًا نهائيًا مكتملًا، مثلما عبّر عن ذلك الدكتور المسيري بدقة حين قال: “الإنسان هو النوع الوحيد الذي يتميز كل فرد فيه بخصوصيات لا يمكن محوها أو تجاهلها. فالأفراد ليسوا نسخًا متطابقة يمكن صبها في قوالب جاهزة وإخضاعها جميعًا لنفس القوالب التفسيرية، فكل فرد وجود غير مكتمل، مشروع يتحقق في المستقبل واستمرار للماضي، ولذا فإن زمن الإنسان هو زمن العقل والإبداع والتغيير والمأساة والملهاة والسقوط، وهو المجال الذي يرتكب فيه الإنسان الخطيئة والذنوب، وهو أيضًا المجال الذي يمكنه فيه التوبة والعودة، وهو المجال الذي يعبر فيه عن نبله وخساسته وطهره وبهيميته، فالزمان الإنساني ليس مثل الزمان الحيواني أو الطبيعي/المادي الخاضع لدورات الطبيعة الرتيبة، زمان التكرار والدوائر التي لا تنتهي والعود الأبدي. ولكل هذا، فإن ممارسات الإنسان ليست انعكاسًا بسيطًا أو مركبًا لقوانين الطبيعة/المادة، فهو مختلف كيفيًا وجوهريًا عنها، فهو ظاهرة متعددة الأبعاد ومركبة غاية التركيب ولا يمكن اختزاله إلى بعد واحد من أبعاده أو إلى وظيفة واحدة من وظائفه البيولوجية أو حتى إلى كل هذه الوظائف.” (7).
ومن هنا يتضح أن الحديث عن بناء الإنسان ليس خطابًا وعظيًا مثاليًا، بل ضرورة حضارية. فكما يقرر مالك بن نبي بعبارة جامعة: “كل تفكير في مشكلة الإنسان بالنسبة إلى حظه في الحياة، هو في أساسه تفكير في مشكلة الحضارة”. وبذلك يتأكد أن الوعي التزكوي ليس هامشًا في مشروع النهضة، بل هو أصل العمران، وجذره العميق الذي إن صلح صلحت الفروع، وإن اختلّ لم تغن عنه كثرة الشعارات ولا صلابة البنى.
المراجع:
1ـ عبد الكريم بكار، اكتشاف الذات، دار الإعلام، عمّان، 2001م، ص6.
2ـ عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمار، دار الشروق، القاهرة، 2005م، ص300.
3ـ عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية، ص343.
4ـ عبد الكريم بكار، تكوين المفكر، دار وحي القلم، دمشق، ط1، 2010م، ص35.
5ـ عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية، ص300.
6ـ ماجد عرسان الكيلاني، التربية والتجديد وتنمية الفاعلية، دار القلم، دبي، 2005م، ص101.
7ـ عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية، ص234.
8ـ مالك بن نبي، تأملات، دار الفكر، دمشق، 1986م، ص114.
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا