حتى يغيّروا ما بأنفسهم: تأملات في البناء القرآني للإنسان

كان البحار يملك سفينة متينة وأشرعة قوية وخرائط دقيقة وأجهزة حديثة للملاحة. كان يعرف اتجاه الرياح وعمق المياه وحركة النجوم. لكنه لاحظ في إحدى رحلاته أن سفينته رغم هذه الدقة كلها كانت تدور في دائرة واسعة، ثم تعود في كل مرة إلى النقطة نفسها. تفحّص الأشرعة فوجدها سليمة، راجع الخرائط فلم يجد فيها أي خطأ. تفقد المحرّك فوجده يعمل بإتقان. وبعد بحث طويل اكتشف أن الخلل والعيب كان في البوصلة وحدها. إذ كانت تشير إلى جهةٍ قريبة من الشمال، لكنها ليست الشمال. لم يكن العطب في الوسائل، بل في الاتجاه. فأدرك البحّار يومها أن أخطر الأعطال ليست تلك التي تعطّل الحركة، بل تلك التي تبقيك تتحرك في الاتجاه الخطأ.
ليست البوصلة في هذه القصة القصيرة قطعة معدن، بل هي صورة للوعي الغائي الذي يمنح الفعل معناه قبل أن يمنحه حركته. فالإنسان لا يضلّ لأنه يجهل كيف يتحرّك، بل لأنه ينسى لماذا يتحرّك. وحين تنفصل الوسيلة عن الغاية، يتحول النشاط إلى دورانٍ محكم، وتغدو الكفاءة ستارًا أنيقًا لتيهٍ عميق. إن الخلل في الاتجاه لا ينتج توقفًا يوقظ صاحبه، بل ينتج حركةً مطمئنة تخدّره، ولذلك كان أخطر من العجز، لأن العجز يشعر بالنقص، أما الانحراف الدقيق فيشعر بالإنجاز.
من هنا تتأسس التربية الحقّة، تلك التربية التي لا تسعى إلى تضخيم القدرة، بل إلى تقويم البوصلة الداخلية، ولا تسعى أيضًا إلى إضافة أدوات، بل إلى تصحيح المركز الذي تصدر عنه القرارات. فالإنسان كائنٌ غائيّ بطبعه، وإذا اختلّ أفقه الغائي اختلّ توازنه النفسي، وتكاثرت إنجازاته وتناقصت طمأنينته. إن أزمة العصر ليست فراغ الوسائل وندرتها، بل فراغ المعنى الذي يوحّدها في اتجاهٍ واحد. وحين يستعاد المعنى تتناغم القوى المتفرقة، ويغدو الجهد خطًّا مستقيمًا لا دائرةً مكرورة. فسلامة الاتجاه ليست تفصيلًا في البناء الإنساني بل شرط إمكانه، إذ بها يتحول الكدح إلى مسار والحركة إلى نمو والسفر إلى وصول.
اقرأ أيضاً: مركزية الإنسان و مركزية الإله
إن هذه الفصول التي نحن بصددها ليست حديثًا عن رمضان وإن مرّت من بوابته، ولا هي دليلًا تعبديًا وإن اشتغلت على التزكية، ولا هي تنظيرًا فلسفيًا وإن لامست أسئلة الوجود الكبرى. إنها، في جوهرها، محاولة لإنقاذ الإنسان من التبعثر، وردّه إلى مركزه الداخلي بعد أن طال اغترابه عن ذاته تحت ركام العادة، وضجيج اليومي، وتسارع العالم الذي لا ينتظر أحدًا.
لقد صار الإنسان المعاصر غنيًّا بالأدوات، فقيرًا بالمعنى، واسع الاطلاع، محدود البصيرة، متخمًا بالخيارات، مطوّقًا بالقلق. يعرف كيف يفعل، لكنه نسي لماذا يفعل. يركض كثيرًا، لكنه لا يعرف على وجه الدقة إلى أين. ومن هنا لم تعد أزمة الإنسان أزمة نقصٍ في الإمكانات، بل أزمة اختلالٍ في البوصلة.
وقد عبّر المفكر الإسلامي علي عزت بيجوفيتش عن هذا الاضطراب الوجودي بكلمات تكاد تصف عصرنا بدقة موجعة، حين قال: “إن أزمة العالم الحديث ليست في العلم، بل في فقدان المعنى الذي يوجّه العلم”. (1) هذا الاقتباس لا يستدعى هنا للاستشهاد الفكري فحسب، بل ليؤسس للمشكلة التي تتحرك هذه الفصول في أفقها: أن الإنسان حين يفقد المعنى لا تنقذه كثرة المعرفة، وحين تختل غايته لا تعوضه وفرة الوسائل. ومن هنا جاء السؤال الذي يسبق كل معرفة، ويتقدم على كل إصلاح: من أنا؟ ولأجل ماذا أبني نفسي؟
إن البناء في هذه الفصول لم يكن دعوةً إلى تزكيةٍ معزولة عن الحياة، ولا إلى روحانيةٍ منقطعة عن الواقع، بل دعوة إلى وعيٍ متوازنٍ يعرّف النفس كما هي، ويعرّف العالم كما هو، ثم يبحث عن نقطة التوازن التي لا تلغى فيها الطبيعة البشرية، ولا تستعبد فيها للهوى. وفي هذا السياق يحسن استحضار كلمة للمفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي أدرك مبكرًا أن النهضة ليست تكديسًا للأشياء، بل إعادة تشكيلٍ للإنسان، إذ قال: “إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارة، ومشكلة الحضارة هي في جوهرها مشكلة إنسان”. (2). هذا الفهم يعيد ترتيب الأولويات: لا إصلاح بلا إنسانٍ واعٍ، ولا نهضة بلا ذاتٍ مستقيمة، ولا مشروع حضاري بلا مشروع داخلي.
اقرأ أيضاً: اهتمامٌ ببناءِ البنيانِ وإهمالُ بناء الإنسانِ
لقد حاولت هذه الفصول رد الاعتبار لفكرة طال تهميشها: أن الإنسان مشروع، لا حالة مكتملة. سيرورة، لا صورة نهائية. تكوين مستمر، لا هوية جامدة. وهذا المعنى متجذر في الرؤية القرآنية ذاتها، إذ يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6)} (الانشقاق). والكدح هنا ليس محض تعبٍ جسدي، بل حركة وجودية مستمرة. الإنسان في حالة تشكّل دائم، وكل لحظة وعيٍ صادق تعيد صياغته من الداخل.
ومن هنا لم يكن الصيام محض امتناع، ولا القيام محض طقس، ولا القرآن الكريم محض نص. كانت كلها مختبرات إعادة ضبط. محطات مراجعة. لحظات مواجهةٍ صريحةٍ مع الذات. لأن أخطر ما يهدد الإنسان ليس السقوط وحده، بل الاعتياد، ليس الخطيئة فقط، بل التبرير، ليس الفتور، بل اللا وعي.
وقد أشار ابن عطاء الله السكندري إلى هذا المعنى حين قال: “أصل كلّ معصيةٍ وغفلةٍ وشهوةٍ الرضا عن النفس، وأصل كلّ طاعةٍ ويقظةٍ وعفةٍ عدم الرضا منك عنها”. (3). وهذا ليس جلدًا للذات، بل وعيٌ يقظ. فالإنسان لا يطلب منه أن يكون ملاكًا بل أن يكون صادقًا، ولا يطلب منه أن يخلو من التناقض بل أن يديره بوعي، ولا يطلب منه أن ينتصر دائمًا بل أن يعود إذا خسر أو انكسر. وفي هذا المعنى يلتقي البناء بالتزكية وتلتقي التربية بالمعرفة ويلتقي السلوك بالفلسفة. فالتزكية ليست حملًا نفسيًا إضافيًا بل تحرير من الحمل الزائد، وليست تضييقًا للحياة بل إنقاذ لها من التبعثر. قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)} (الأعراف).
سنمر بمشيئة الله في هذه الفصول بلحظات ذروة: في الصيام، وفي الخلوة، وفي ليلة القدر. لكننا سنتوقف طويلًا عند ما بعدها. لأن القمم لا تسكن. القمم تزار لترى الطريق، ثم ينزل منها للسير. ومن لم يفهم هذه الحكمة عاش أسير الحنين، أو ضحية الإحباط، أو رهينة المقارنة القاسية مع لحظات استثنائية لا تتكرر. فليس الشأن أن تصل إنما الشأن أن تثبت. فالثبات الهادئ أعمق أثرًا من التوهج العابر. والاستقامة اليومية أصدق من انفعالٍ موسمي.
اقرأ عن: ثقافة التغيير بين النظرة السطحية والنظرة العقلانية
هذه الفصول لا تعدك بحياة بلا ألم ولا بإيمان بلا فتور ولا بطريق بلا تعثر. لكنها تعرض عليك –أيها القارئ العزيز– شيئًا أثمن: خريطة داخلية وبوصلة سليمة. خريطة تعرف بها أين تقف، كيف تعود، متى تتوقف، متى تمضي، وبوصلة تحدد لك اتجاه الشمال بدقة. ومن امتلك الخريطة والبوصلة، لم يعد ضائعًا، حتى لو أغلق عليه الطريق مؤقتًا. ولعل أعظم ما يرجى من قارئ هذه الفصول ألا يخرج منه حافظًا لعباراته، بل حاملًا لأسئلته. لأن السؤال الصادق بداية كل وعي، وبداية كل تحوّل.
إن بناء الإنسان ليس ترفًا فكريًا ولا شأنًا فرديًا معزولًا، إنه قضية حضارية. فالأمم لا تنهزم حين تقل مواردها فقط بل حين ينهار وعي إنسانها. وكل مشروع إ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ صلاح لا يبدأ من الإنسان ينتهي إلى إدارة أزمات لا صناعة مستقبل. يقول تعالى: {إنّ اللّه لا يغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم} (الرعد: 11). هذه الآية ليست وعظًا أخلاقيًا، بل قانونًا حضاريًا. التغيير يبدأ من الداخل، وإلا بقي الخارج ترميمًا هشًا. والآية أصلٌ في سنن التغيير في القرآن الكريم، إذ تجعل التحوّل الخارجي ثمرةً لتحوّلٍ داخلي، وتربط مصير الجماعات بأخلاقها وأفكارها وإرادتها قبل أوضاعها السياسية أو الاقتصادية.
وهنا، وفي ختام هذا المسار، لا نزعم أن الطريق قد اكتمل، بل نقول إن الرؤية قد اتضحت. ومن اتضحت له الرؤية، صار قادرًا على السير، حتى وإن طال الطريق. فالعبرة ليست بسرعة الوصول بل بسلامة الاتجاه. إن هذه الفصول لا تطلب منك أن تكون إنسانًا آخر، بل أن تكون أقرب إلى نفسك التي خلقها باريها، أن تجعل المعنى وطنك والوعي قدرك والتزكية طريقك والصدق زادك. وذلك –إن صدق– هو جوهر البناء، وجوهر الإصلاح، وجوهر أن تكون إنسانًا.
المراجع:
1ـ علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة: محمد يوسف عدس، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1994م، ص41.
2ـ مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر، دمشق، ط4، 1986م، ص45.
3ـ عبد المجيد الشرنوبي، شرح الحكم العطائية، تعليق: عبد الفتاح البزم، دار ابن كثير، دمشق ـ بيروت، ط2، 1989م. ص45.
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا