مقالات

المقاومة والركن الشديد

كان موقف نبي الله لوط عليه السلام من أكثر مواقف الأنبياء والمصلحين صعوبة في مواجهة قومهم، بكل ما جاءوا به إليه من بغي واعتداء وأذى، وكانت اللحظة شديدة إلى حد أنه قال ما قاله وورد في الآية الكريمة (80) من سورة هود، أنه كان يرجو لو أن له بهم قوة يستطيع ردها، أو يأوي إلى ركن شديد يمثل له حماية من موقفه العصيب هذا، وسرعان ما علم وعلمنا، أنه كان بالفعل يأوي إلى ركن شديد، كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

وهو ما يشبه موقف المقاومة الآن بعد نهاية المرحلة الأولى وإنشاء مجلس السلام الدولي بشأن غزة، وإعلان أمريكا أن غزة شأن أمريكي، قالت هذا في أداء مسرحي تراجيدي، ردًا على إسرائيل التي بدت معترضة على المواقف الأمريكية الأخيرة تجاه أهم أحداث الشرق الأوسط، طبعًا الموقف لا يخفى علينا ما فيه من مخادعة، فطوال السنتين الماضيتين كانت غزة شأنًا أمريكيًا طوال الوقت، من كمّ الدعم العسكري والمخابراتي والأمني الذي تلقته دولة الاحتلال.

بل سنتذكر ما لا يُنسى أبدًا، وهو أن إسرئيل كلها شأن أمريكي من خمسينيات القرن الماضي، بعد انتقال ملفها وملفات أخرى كثيرة، من بريطانيا إلى أمريكا.

أيًا ما كانت النقطة التي تبدأ منها الدائرة المغلقة، اليهود يسيطرون على الحضارة الغربية أم الحضارة الغربية التي تسيطر على إسرائيل، لكن الموقف بالنسبة إلينا في النهاية لن يختلف في الحالين.

الحديث هنا يتعلق بنقطتين هامتين، الأولى مستقبل غزة، والثانية مستقبل إسرائيل.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

الحديث الملول عن نزع سلاح حماس وتدمير الأنفاق وهذه الحجج كلها التي يتحجج بها الغرب وإسرائيل، لن يكون موضوعيًا، لأن المنطقي هنا أن حماس ليس لديها سلاح يسلم بعد سنتين من الحرب الضارية، استهلكت فيها ما لديها كله من سلاح، بعد أن تجاوزت إسرائيل والغرب أحد أهم العقائد العسكرية للدولة، وهو عدم خوض حرب طويلة!

لكن إسرائيل خاضت أطول حرب في تاريخها، وهي لم تكسر عقيدتها العسكرية، إلا لأن العدو الذي أٌنشأت من أجله تلك العقيدة (الحروب القصيرة( ليس هو العدو الذي واجهته في طوفان الأقصى.

إسرائيل كانت تعلم ذلك، والغرب كان يعلم ذلك، وهزيمة إسرائيل بالمعنى العسكري أو الاستراتيجي معناه انتصار العدو، الذي لا يمثل المنطقة التي يعرفونها من الخمسينيات!

نعم..

إسرائيل خاضت حروبًا مع عدو معلوم لها تمامًا وللغرب، من بداية دولة الاستقلال، وقد حضّروا له وجهّزوا له، وهو بالفعل كان جاهزًا لتلقي الضربات السريعة الساحقة من إسرائيل، ومن ثم فلم يكن للحديث عن تغيير العقيدة العسكرية هنا مكان.

المقاومة لم تخطىء في حساب هذه الفرضية، المقاومة تصورت أن واقع المنطقة سيستوعب الرسالة من صباح يوم 7 أكتوبر، وينهض بمسؤوليته، فالقضية هنا ليس فلسطين فقط، كونها قضية تحرير، القضية أن في قلبها المسجد الأقصى كما قال أحمد لأخيه في رواية (الشوك والقرنفل( التي كتبها يحيى السنوار في السجن.

وعليه فالتفاعل المقصود لم يحدث، وهذا لا يهم، فأنت تتعامل مع معركة تاريخية مفتوحة، وأديت مهمتك فيها بما يكفي ويزيد، سواء على مستوى النضال العسكري أو على مستوى النضال الشعبي، وكون المعركة تاريخية ومفتوحة، هذا يجعلها نموذجًا لجولات قادمة من النضال، لكنها إن شاء الله ستكون أخف قليلًا.

وهذا ما سيأخذنا إلى النقطة الثانية وهو مستقبل إسرائيل.

لعلنا جميعًا انتبهنا إلى أن إسرائيل كانت تشجع ضربة أمريكية لإيران في أيام الاحتجاجات في الداخل الإيراني، وبدا أن الموضوع قد يحدث، لكن ما إن اقترب من الحدوث، قالت إنها ترجو تأخير الضربة لعدم استعداد (الجبهة الداخلية والدفاعات الجوية)! الخبر نشر مرة واحدة، ولم ينشر ثانية رغم أنه كلام خطير جدًا.

وأخطر ما فيه الحديث عن عدم استعداد الجبهة الداخلية، وهذا بيت القصيد، هذا ما بعد الطوفان، بعض أصدقائنا البسطاء تصوروا أن عملية “طوفان الأقصى” محض عملية مقاومة سريعة لرفع الحصار وتخليص الأسرى، وهو ما لا يساوي عمليات القتل والتدمير التي حدثت!

المقصود كان أكبر وأوسع من ذلك كثيرًا، هذه كما ذكرنا “معركة تاريخية مفتوحة”، وقد قال أهل غزة كلمتهم فيها وقدموا (مقاومة وشعبًا) كل ما يجعل ما بعده سهلًا، في مجال أي تضحية وأي نضال،

والتاريخ قال لنا كثيرًا في مثل هذه المشاهد إن القادم أخطر، وكل ما هو آت قريب.

إسرائيل من الداخل عبّر عنها الشاعر الإسرائيلي حاييم جوري (ت/2018م) في معنى لا يخفى على أبسط فهم: “كل إسرائيلي يولد وفي داخله السكين الذي سيذبحه”. هذه هي إسرائيل كما رأتها المقاومة، وهي أحق الناس بتقديرات الموقف.

إبراهام بورج نجل يوسف بورج أحد المؤسسين الأوائل للدولة قال: “إن نهاية المشروع الصهيوني على عتبات أبوابنا. جيلنا سيكون آخر جيل صهيوني”.

وذكر في كتابه “لننتصر على هتلر”، متى صدر هذا الكتاب؟ سنة  2010م!

ذكر ما يلي: “أرى مجتمعي يذوي أمام ناظري، عندما ندع الجيش ينتصر، فإنه غير قادر على أن يعي أن القوة ليست هي الحل، محض الحديث عن محو غزة يدل على أننا لم نستوعب الدرس بعد”.

ويضيف: “إسرائيل تعاني صدمة نفسية مستديمة، إننا نعيش بشعور أن العالم كله ينفر منا لتشدد يسيطر على هويتنا، إننا مجتمع يعيش على سيفه، إسرائيل دولة فاشية بلطجية ومستقوية وقاسية وإمبريالية وسطحية فاقدة لأصالة الروح ومنطوية على نفسها”.

لنتذكر جيدًا أن هذا الكلام قيل سنة 2010 م.

أتصور أن أهل العزائم والأنوار في غزة لم يتفاجأوا من غياب الدعم من محيطهم العربى والإسلامي، الذي لم يمثل لهم “ركنًا شديدًا” كما هو طبيعي ومنطقي، لكنهم أرادوا أن يقيموا الحجة على أعناق الجميع، التضحية ضخمة وكبيرة، لكنها تستحق أن تكون حجة لن تمر هكذا مرور الكرام، في وعي التاريخ بحقيقة ما جرى، وما سوف يجري.

مقالات ذات صلة

حين تتراجع الإمبراطورية

نظرك فيك .. يكفيك

ركام الصمت

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. هشام الحمامى

رئيس المركز الثقافي اتحاد الأطباء العرب – عضو الأمانة العامة والمجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب – مدير الشئون الطبية بقطاع البترول