المسرح بين الإثنولوجيا والانثروبولوجيا .. الجزء الأول

كان حتمًا ولزامًا أن نتعامل بدقة مع المصطلحات الرئيسية، وما تفرع واشتق عنها حتى يتمكن دارس المسرح عامة والنقد خاصة من فهمها، فيدرك أهميتها وماهية علاقتهما بالمسرح، والوقوف على دقائقها وعلاقتها المتشابكة، مع مقارنات فيما بينها وبين غيرها المتقاربة المعنى ظاهريًا حتى يرشد استخدامها في موضعها الصحيح.
الإثنولوجيا: (Ethnology): مشتقة من (ethno) أي الإنسان، و(Logos) علم، وترجمته علم العرقية أو علم الأعراق والشعوب.
الإثنودراما (Ethnodrama):وسيلة بحث يستخدمها المسرح أحيانًا بوصفها أداة إثنوغرافية واصفة لثقافات الشعوب لتقديم نتائج الدراسات الميدانية بخصوص مجتمعات معينة في عمل فني، مما يسهل فهم ديناميكياتها الاجتماعية المعقدة وتقديمها في أعمال درامية.
الإثنوغرافيا (Ethnography) مصطلح مكون من مقطعين الأول (Ethno) بمعني جـنس أو شـعب، والآخر (Graphy) وتعني وصف، وبذلك تعرف الإثنوغرافيا بأنها: “وصف لثقافات الشعوب، بالدراسة الوصفية لطريقة الحياة وأسلوبها لشعب أو مجتمع، أو مجموعة التقاليد والعادات والقيم والأدوات والفنون والمأثورات الشعبية لدى جماعة أو مجتمع معين، في فترة زمنية محددة.
الإثنوغرافيا أكاديميًا: الوصف الدقيق والمترابط لثقافات الجماعات الإنسانية، والإثنوغرافيا (Ethnography): البحوث الوصفية والتحليلية التي يبحثها علماء الأنثروبولوجيا للمجتمعات البدائية والمتحضرة.
الإثنوغرافي: الباحث الذي يهتم بالدراسة الوصفية للمجتمعات البدائية والمتحضرة،
البحث الإثنوغرافي
يرى باتون (Patton) أن البحث الإثنوغرافي يُعنى بالثقافة خصوصًا، فسؤاله الدائم هو: ما ثقافة هؤلاء الناس؟ وهل يفترض أن أي مجموعة من النـاس تعيش مع بعضها لفترة زمنية معينة ستكون ثقافة معينة خاصة بها؟ وما انعكاسـات هذه الثقافة على تشكيل سلوكهم، وممارساتهم الحياتيـة، ونظـرتهم إلى الواقـع الاجتماعي والثقافي الذي يعيشون فيه؟
ويرى أوجبو (Ogbu) أن البحث الإثنوغرافي طريقة وأداة لفهم أساليب مجتمع أو جماعة ما وطرقه في الحياة اليومية، بمعرفة أفكار أعضائه ومعتقداتهم وقيمهم وسلوكياتهم، وما يصنعونه من أشياء يتعاملون معها، ويكون ذلك عن طريق الملاحظة بالمشاركة.
علاقة الإثنوغرافيا بالإثنولوجي
فالإثنوغرافيا ليست علمًا مستقلًا وتعد مقدمة للعمل الإثنولوجي، وتمثل جانبًا من الدراسة الإثنولوجية.
إذًا الإثنوغرافيا تعمل على:
- رصد المادة الثقافية وتسجيلها من الميدان، أي تقوم بوصف أوجه النشاط الثقافي البشري.
- ولا تسعى الإثنوغرافيا إلى “التقويم”، وإنما إلى تقديم صورة واقعية وتقريرية للأمور الحياتية لمجتمع ما إبان فترة زمنية معينة.
تتلاقى الإثنولوجيا (علم الأعراق والشعوب) مع المسرح في حقل دراسي حديث يعرف بـ”الإثنوسينولوجيا” (ETHNOSCENOLOGY)، مشتقة من (ETHNO) أي الإنسان، (SCENE) المشهد الفرجوي، (LOGOS) العلم، وهو علم يبحث في الأداء البشري الشامل بعيدًا عن محض الجماليات الفنية التقليدية، ودراسة شاملة للممارسات الفرجوية الشعبية بخصوصيتها المجتمعية وثقافيتها (بما في ذلك المأكل، الملبس، والجسد)، لاكتشاف الآخر وفهم تمثلاته للجسد والروح، وذلك باعتبارها ظواهر ثقافية اجتماعية وإثنوغرافية، تعبر عن طريقها عن رؤيتها للوجود والإنسان والحياة والكون والطبيعة والقيم والمعرفة، كما تعكس كذلك طبيعة التفكير لدى الإنسان، وطريقة تعبيره وتخييله وانفعاله وتحركه، وكيفية تعامله مع الموضوع الخارجي على المستوى الفني والجمالي والفلكلوري.
تعد الإثنوغرافيا (ETHNOGRAPHY) الأداة العملية والمنهجية التي تخدم “الإثنولوجيا”، ففي حين تهتم الأخيرة بالدراسة المقارنة والتحليلية، تركز الإثنوغرافيا على الوصف الدقيق الميداني لثقافات الشعوب وعاداتهم.
علاقة الإثنولوجيا بالمسرح
تعد الإثنولوجيا (علم الأعراق) والمسرح مجالين متداخلين يهدفان إلى دراسة وفهم الظواهر الفرجوية، الطقوس، والجسد البشري كجزء من الموروث الثقافي للشعوب. يركز هذا التداخل، لا سيما عبر الإثنوسينولوجيا، على صيانة المكونات الثقافية الشعبية، دراسة الجسد في الاحتفالات، وتحليل الأبعاد الرمزية والجمالية للمسرح خارج حدود العلبة الإيطالية الغربية.
أهم نقاط التلاقي بين المسرح والإثنولوجيا -عبر الإثنوسينولوجيا:
- تتلاقى الإثنولوجيا (علم الأعراق والشعوب) مع المسرح في حقل دراسي حديث يعرف بـ”الإثنوسينولوجيا” (ETHNOSCENOLOGY)، وهو علم يبحث في الأداء البشري الشامل بعيدًا عن محض الجماليات الفنية التقليدية.
- دراسة السلوك الفرجوي: تعمل الإثنولوجيا على تحليل العروض والاحتفالات والطقوس الشعبية باعتبارها “أشكالًا فرجوية” تعكس هوية المجتمع وثقافته، وليس محض تمثيل مسرحي.
- أنثروبولوجيا الجسد: تدرس العلاقة بين حركة الممثل على خشبة المسرح و”تقنيات الجسد” التي يكتسبها الإنسان في حياته اليومية بناءً على خلفيته الثقافية والدينية والاجتماعية.
- المسرح وسيلة للبحث: يستخدم المسرح أحيانًا كأداة إثنوغرافية (ETHNODRAMA) لتقديم نتائج الدراسات الميدانية بخصوص مجتمعات معينة، مما يسهل فهم ديناميكياتها الاجتماعية المعقدة.
- تأصيل العروض: تساهم الإثنولوجيا في رفد المسرح بمواد تراثية وفلكلورية (أزياء، رقصات، طقوس) تمنح العرض المسرحي أصالة تاريخية وتساعد في بناء “شخصية حضارية” للعمل.
- تنمية الفكر التربوي: يستخدم المسرح كأداة إثنولوجية تعليمية لتنمية شخصية المتعلمين عبر تعريفهم بخصائص الشعوب المختلفة لغويًا وثقافيًا.
- دراسة الفرجة والطقوس: تدرس الإثنولوجيا الطقوس، الاحتفالات، والرقصات الشعبية، وتعتبرها ممارسات فرجوية حية تعكس ثقافة الشعوب وتاريخها.
- أنثروبولوجيا المسرح (باربا): تركز على دراسة التصرفات البيولوجية والثقافية للممثل، وكيف يستخدم جسده وذهنه بطرق مختلفة عن الحياة اليومية في أثناء العرض.
- المسرح التربوي والأنثروبولوجيا: تساهم في تنمية شخصية المتعلمين وتعزيز وعيهم بهوياتهم الثقافية عن طريق محاكاة أصول الشعوب.
- التوظيف السينوغرافي: يستفاد من الإثنولوجيا في تصميم ديكورات ومظاهر مسرحية تجسد حقيقة الموروث الثقافي والشعبي.
في السياق المسرحي، تبرز أهمية الإثنوغرافيا في المجالات التالية:
- البحث الميداني للمبدع: يعتمد المخرج أو السينوجراف على المنهج الإثنوغرافي لجمع بيانات واقعية عن بيئة معينة (أزياء، لهجات، طقوس) بهدف نقلها بدقة إلى خشبة المسرح، مما يمنح العرض واقعية وصفية عالية.
- المسرح الإثنوغرافي (ETHNOTHEATRE): هو نوع من العروض يقوم فيه الباحثون بتحويل نتائج دراساتهم الميدانية والمقابلات مع الأفراد إلى نصوص مسرحية، ليكون العرض وسيلة لمشاركة المعرفة الاجتماعية على نحو فني ومؤثر.
- تحليل “تقنيات الجسد”: توثق الإثنوغرافيا الحركات الجسدية اليومية المرتبطة بهوية ثقافية محددة، ويستخدم الممثلون هذه الأوصاف لإعادة بناء الشخصيات على نحو يجسد “الذاكرة الجسدية” لتلك الثقافة.
- السينوغرافيا الوصفية: تستخدم البيانات الإثنوغرافية لتصميم فضاء مسرحي (ديكور وإضاءة) يعكس بدقة الخصائص الجغرافية والاجتماعية للمكان الذي تدور فيه أحداث المسرحية.
- تعريف السينوغرافيا: فن تشكيل الصورة المسرحية، مكوناتها صوامت (ديكور إكسسوارات، أزياء، ماكياج، إضاءة)، نواطق (حوار موسيقى، مؤثرات صوتية أغاني)، حركات (استعراضات (كوريوجرافي)، أداء جسدي للممثلين).
أو بعبارة أخرى فن تشكيل الصورة المسرحية بعناصرها من مسموعات ومرئيات.
الخلاصة: الإثنوغرافيا هي الرحلة الميدانية التي تسبق العرض، في حين أن المسرح هو المختبر الذي يعيد صياغة تلك المشاهدات بلمسة فنية.
مقالات ذات صلة
تأثير الموروث الشعبي على النخب الثقافية
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا