حين تتراجع الإمبراطورية

بعد السيطرة على فنزويلا وقرار أن تقدم فنزويلا ثروتها البترولية لأمريكا من دون ضوضاء ولا مقاومة، اليوم ترامب يقول أنه سوف يأخذ ثروات جرين لاند من الدنمارك، لأسباب اقتصادية وأمنية !
طوال الـ400 سنة الأخيرة (منذ القرن السادس عشر) القاعدة في الحضارة الغربية:
أولًا:
الإمبراطورية تسرق المستعمرات، وتنقل الثروات إلى أوروبا وأمريكا، وتستمر الإمبراطورية قوية ما دام أن المكسب من سرقة الثروات أعلى من تكلفة الجيش والاحتلال والنقل. إفقار الشعوب في المستعمرات، ورفاهية الشعوب في أوروبا وأمريكا. لكن لو التكلفة أعلى من المكسب، تنهار الإمبراطورية!
ثانيًا:
السرقة يمكن أن تكون من شركات خاصة تابعة (سرقة أنيقة ناعمة وغير مباشرة مثل الشركات الأمريكية تسرق بلادنا اليوم)، أو عبر الاحتلال المباشر بجيوش على الأرض واتفاقيات الحكومات (سرقة غير أنيقة خشنة مثل غزو أمريكا للبلاد).
ولتسهيل السرقة والنهب يجب تجنيد عملاء في المستعمرات، تابعين عقليًا لأوروبا وأمريكا، يهللون لها، ويسبحون بحمدها، ويقنعون الناس عن طريق الإعلام والتعليم بأن العبودية للغرب واستغلال الغرب هو نعمة عظيمة وأن العيب فينا وليس في الغرب.
هذه أيضًا فائدة حرص أمريكا على سيطرة شبكة التجارة والتفكير.
سيطرة الولايات المتحدة على شركات مواقع التواصل الاجتماعي والسينما، فيس بوك وإنستاجرام، وشركات التجارة الإلكترونية، أمازون وأبل، إلخ. السيطرة على مفاصل التجارة والتفكير العالمي
يعني أي شخص عايز يتاجر أو يتكلم في العالم اليوم، لازم يمر عبر شركات أمريكا، والمنافس الوحيد الصاعد اليوم لهذه السيطرة اليوم هو الصين ومواقع التجارة الصينية والتواصل الاجتماعي الصيني والتكنولوجيا الصيني، إلخ.
حين تقوى الإمبراطورية، تتوسع وتتنافس مع الإمبراطوريات الأخرى، مثل تنافس إنجلترا مع فرنسا في القرن التاسع عشر قبل الحرب العالمية الأولى، وتنافس أمريكا مع روسيا في القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن حين تتراجع قوة الإمبراطورية، تبحث عن إحكام سيطرتها على المناطق القريبة جغرافيا ذات التكلفة الأقل في الاحتلال، مما يفتح الباب لصعود قوى جديدة، تبحث عن نفوذ في مناطقها، ومن ثم تبدأ الصراعات والحروب العالمية.
في احتلال العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا، خسرت الولايات المتحدة أموالًا أكثر بكثير مما كسبته من نهب هذه البلاد وتدميرها، لأنها في الحقيقة كانت حروبًا غبية لتحقيق مصالح الكيان الصهيوني، وليست لتحقيق مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.
الحرب على الإرهاب والتطرف الإسلامي، بالجري في الصحارى وراء شوية ناس غلابة! هذا تسبب في تراجع القوة والاقتصاد الأمريكي في العشرين سنة الأخيرة.
هنا تظهر العقيدة الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب! لإنقاذ ما يمكن إنقاذه!
أمران:
1
أن تكتفي الولايات المتحدة بالتوسع والسيطرة العسكرية المباشرة على المحيط الجغرافي لها، أمريكا الجنوبية وجرين لاند في القطب الشمالي ونهب الثروات عن طريق شركات أمريكية، مع زيادة حجم النهب المباشر وغير المباشر لتعويض خسائر الحروب الفاشلة طوال الثلاثين عامًا الماضية.
مع أمل أن تستمر سيطرة شركات أمريكا على طرق التجارة وطرق التواصل بين الناس حول العالم (لكن غالبًا هذا سوف يتراجع لكن بعد حين).
2
ترك قوى إقليمية تتوسع للسيطرة على ما حولها جغرافيا، بدلًا من تضييع وقت الولايات المتحدة وأموالها في حروب بعيدة عالية التكلفة ضد قوى متصاعدة!
ترك إسرائيل تتوسع في المحيط الجغرافي لها، ويصبح العالم العربي الحديقة الخلفية لها وتابع لها.
ترك روسيا تتوسع في المحيط الجغرافي لها، وتصبح أوكرانيا وأوروبا الحديقة الخلفية لها وتابع لها.
ترك الصين تتوسع في المحيط الجغرافي لها، وغالبًا هذه الفرصة سوف تجعل أي بلد طموح يسعى للتوسع.
كذلك نرى طموحات متنامية، للاستيلاء على مناطق الفراغ؛ مثلًا نرى اليوم تحركات إثيوبيا للتوسع وبناء تحالفات لرسم خريطة جديدة لشرق إفريقيا.
ونرى تنافس السعودية والإمارات في جنوب جزيرة العرب.
ونرى سعي تركيا للتوسع في وسط آسيا والمناطق التركمانية.
ونرى الهند تصارع باكستان والصين وتحاول بناء مجال للسيطرة، إلخ.
في حين المناطق المفعول بها، مناطق الفراغ وانعدام الطموح، هي العالم العربي وغرب أوروبا وأمريكا الجنوبية ومساحة كبيرة في قارة إفريقيا.
و هنا ستحدث الاحتكاكات وتشتعل الصراعات، وتتكون التحالفات، وربما الحروب العالمية!
لأن الاتفاقيات الناقصة غير الواضحة وغير المستقرة مفتاح الصراعات والحروب، وتراجع قوة عظمى عادة يفتح الباب للتنافس على مناطق الفراغ والنفوذ.
مقالات ذات صلة
ليه أمريكا واقفة في ضهر الصهاينة أوي كدا؟
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا