كرة القدم .. السياسة والاقتصاد والثقافة

قد لا يكون كتاب “تاريخ شعبي لكرة القدم” (دار المرايا للثقافة والفنون بالقاهرة) أول كتاب يكتب عن كرة القدم، ولن يكون الأخير بطبيعة الحال، لكنه فيما أتصور أحد الكتب المهمة التي تناولت كرة القدم، ليس لأن مؤلفه “ميكائيل كوريا” يقدّم لنا وعيًا تاريخيًّا مفصلًا لكرة القدم وانتقالها من التبسيط إلى التركيب، ومن المتعة إلى الاحتراف المؤسسي فقط، وإنما لأنه يتناولها من حيث كونها ظاهرة ثقافية واقتصادية وسياسية، يتابع الدلالات ويحفر في الأنساق المضمرة التي جعلت منها نصًّا ثقافيًّا معولمًا، يحتفي به الناس في أرجاء المعمورة، على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم ومعتقداتهم وأجناسهم.
فهذا كتاب مهم، بأجزائه الخمسة وفصوله المتلاحقة التي تصل إلى اثنين وعشرين فصلًا، كما أنه مهم بترجمته الدقيقة التي اجتهد فيها الأستاذ محمد عبدالفتاح السباعي، وبها استحق جائزة الترجمة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2023م.
لم تعد كرة القدم محض لعبة لتزجية أوقات الفراغ، وإن كانت كذلك في بداياتها الأولى، وإنما باتت عنوانًا أساسيًّا في حياتنا، لأنها –فيما يقول مترجم الكتاب– قد “غيرت في المفاهيم والعلوم التي يتم تدريسها في كليات السياسة والاقتصاد، فالتعريف التقليدي للبلد، والقائم على الشعب والدولة والحكومة والإقليم، يتضمن الآن عنصرًا إضافيًّا لا غنى عنه لاكتماله: الفريق الوطني لكرة القدم، والبلد لا يصبح بلدًا بالمعنى الكامل للكلمة إلا إذا كان له منتخب يدافع عن حدوده ويلعب باسمه”.
بالتأكيد لم يكن في خلد هؤلاء الذين حاولوا الاستفادة من هذه اللعبة من أرباب العمل والسلطة أنها ستصل إلى هذه الآفاق الجادة والخطرة، لكن هذا ما حدث في النهاية، فقد باتت الملاعب ساحات للنضال الاجتماعي والسياسي، وصار بمقدور الدارسين الحديث عن تطور علم “سيسيولوجيا المدرجات” وما يتصل به من تحيزات اجتماعية، طبقية وعرقية، وولاءات وجدانية وقومية، ونزعات استعمارية معلنة ومضمرة، ومقاومة رمزية لتلك الأفكار من جانب آخر.
بما يجعلنا في النهاية إزاء ساحة شديدة التركيب لأفكار كثيرة، وعقد نفسية وتاريخية ليس من السهل تجاهلها، وهذا كله يجري أمام أعيننا، وفي تلك المساحة الضيقة التي نسميها “الملعب”، حيث يمكننا جميعًا مراقبة خشبة المسرح وما يجري فوقها، ونتوقع بالتأكيد ما يجري من ورائها، وفكرة المسرح ليست محض تشبيه أو استعارة تقريبية، ولكننا إزاء مسرح بالفعل. فـ”كرة القدم” تقدم مسرحًا دراميًا، فكل مباراة تحترم مبادئ المسرح الكلاسيكي: وحدة المكان (الملعب)، ووحدة الزمان (مدة المباراة)، ووحدة الحركة (اللعبة بأكملها تجري أمام الجمهور)، وكل مباراة هي حبكة ذات جرعة مكثفة من الدراما التي تكتب نهايتها أمام أعين المتفرجين المتيقظين للسعي خلف الكرة بين فريقين متنافسين.
التحرّر والتسلط
على امتداد عقود متصلة قدم المحللون تفسيرات لا حصر لها تحاول فهم ظاهرة كرة القدم وتفسر أسباب انتشارها، منها ما يركز على فكرة العدالة النافذة والقواعد الشفافة الواضحة التي يعرفها الجمهور والحكّام جيدًا، ومنها ما يركّز على أصالة فكرة المنافسة والسعي للفوز باعتبارها فطرة إنسانية، إلخ.
والتفسيرات تختلف من حيث العمق والأصالة والشمول، لكننا مع ميكائيل كوريا نضع أيدينا على أسباب أخرى، منها ما هو تاريخي يتصل بنشأة الكرة داخل فضاء المجتمعات الشعبية أو الهامشية، ومنها ما هو طقسي عريق كامن في لا وعي الإنسان، وهذا ما يشير إليه “إيميل سوفستر” عالم الإتنيات الذي يصف بالتفصيل أجزاء الكرة في مقاطعة بروتاني السفلى، بقوله:
“إن هذا التمرين كان آخر أثر لعبادة مارسها القلط للشمس، فتلك البالونة بشكلها الكروي كانت تجسد نجمة النهار (الشمس)، وكانت تقذف في الهواء، كأنها محاولة للمس هذه النجمة، وحينما تهبط يدور الصراع حولها باعتبارها جسمًا مقدسًا”.
ومع الثورة الصناعية في القرن الـ 19اكتسبت كرة القدم مكانتها وحضورها المعولم، وقبل ذلك كانت محض لعبة شعبية مستهجنة من السلطات ورجال الدين والنبلاء، وابتداء من النصف الثاني من القرن الخامس عشر، وفي عهد هنري الخامس ملك إنجلترا باتت توصف باعتبارها نشاطًا ترفيهيًّا سيئ السمعة، وهو ما يمكن رصده في مثل هذا المنشور:
“البعض يطلق كرة القدم على لعبة يتجمعون حولها في الريف، يتقاذف الشباب كرة ضخمة ليس بقذفها في الهواء، بل بدحرجتها على الأرض، ولا يفعلون ذلك بأيديهم، لكن بأقدامهم، إنه نشاط قذر وحقير أكثر من أي لعبة أخرى، وهي لعبة نادرًا ما تنتهي دون حادث أو خسارة أو إصابة للاعبين أنفسهم”.
ومع الثورة الصناعية عمل أرباب الصناعات على ضبط قواعدها وتوحيدها، بل وأنشأوا الفرق التي تلعب باسم المصانع. ولم يكن الهدف من ذلك الحرص على راحة العمال ومنحهم مساحة حرة للهو والترفيه، لكنهم وجدوا فيها وسيلة فعّالة لتعليم العمال احترام السلطة وتقسيم العمل، وصرف طاقة العمال بعيدًا عن أي نشاط قد يقلل من مخرجات العمل ويمنحهم مزيدًا من الحقوق. لقد حقق أرباب العمل ما أرادوا أو ما سعوا إليه من ذلك، لكن المفارقة هنا أن كرة القدم أدت إلى تعزيز الشعور الجمعي لدى العمال، باعتبارهم ينتمون إلى فئة واحدة، كما أسهمت على نحو كبير في ظهور وعي طبقيّ قويّ يسعى إلى التحرر من قبضة السلطة. من هنا تتخلق المفارقة المرتبطة بأصل هذه اللعبة، أقصد المفارقة بين رغبة السلطة (سياسية أو دينية أو رأسمالية) في ضبط سلوك العمال، وتوجيهه وجهة تخدم أصحاب السلطة وبين رغبة العمال في انتزاع حقوقهم وتحررهم من قبضة السلطة.
وهذه المفارقة المؤثرة هي موضوع هذا الكتاب، أو هي مناط انشغاله وتوزع أفكاره وفصوله، فالمؤلف مشغول بجدل هذه العلاقة بين الكرتين: الشعبية والنخبوية أو بين النمطين من السلوك: استغلال الأغنياء ومقاومة الفقراء. وتاريخ كرة القدم هو تاريخ الجدل بين هذين النمطين وتلك الغايتين دون وجود حدود مغلقة بين هذين العالمين، فالحدود بينهما متداخلة متحركة، “فبالأمس استولت الطبقة العاملة على كرة القدم الفيكتورية الأرستقراطية، واليوم أندية يملكها مليارديرات يشترون لاعبين من أحياء فقيرة بأثمان باهظة”.
تطبيع الأجسام وصياغة الأرواح
لم تكن الثورة الصناعية محض حافز لتطوير كرة القدم، لكنها طبعتها بطابعها وأخلاقها، فعملت على توحيد قوانينها المتعددة أو المختلفة باختلاف المناطق التي شغفت بها، وعملت على تشكيل هيئاتها واتحاداتها، بما يسمح لأكبر عدد من الأفراد من إعادة إنتاج الممارسات الجسدية نفسها ضمن مساحة زمنية محددة، بالإضافة إلى تخصص اللاعبين في أدوار وظيفية محددة داخل الملعب، وهي ذاتها فكرة تقسيم العمل وفق قدرات الأفراد، أو بما يسمح لقدرات الأفراد من النمو ويزكّي لديهم روح المبادرة، وذلك كله مع التزام تام بقوانين اللعب والخضوع لها. كان الهدف هنا إنتاج الأهداف والفوز في التنافس. وهذه كما ترى كلها قيم وجدت مع المجتمع الصناعي.
لا يمكننا استيعاب ما أنجزته الثورة الصناعية في هذا الصدد دون العودة إلى كرة القدم الشعبية التي كانت خشونتها وعفويتها مصدر قلق واضطراب كبيرين، ولم تفلح محاولات تجريمها، وظل الأمر كذلك: سلطة تضيق بالكرة وطوائف شعبية لا حصر لها مفتونة بها!
لكن الأمر اختلف كثيرًا مع انتقال اللعبة إلى طلاب المدارس من أبناء الطبقة المتوسطة الذين كثر تمردهم على مديري المدارس، ولم تفلح معهم العقوبات البدنية المختلفة، بل لم تزدهم إلا تمردًا وعصيانًا. وبالتوازي مع أنشطة الشغب المدرسية كرّس الطلاب وقتًا كبيرًا من وقت فراغهم لممارسة كرة القدم الفلكلورية المستوحاة مباشرة من كرة القدم الشعبية، وكان لكل مدرسة عامة كرة قدم خاصة بها، ولنا أن نتوقع وسط هذه الأجواء مزيدًا من العنف والمشاجرات بين الطلاب، وكان الشباب يصابون إصابات خطيرة دوريًا. وأما عن مجتمع صناعي مزدهر أو في سبيله إلى ذلك، لم يكن هذا السلوك مناسبًا، كان المجتمع في حاجة إلى تدريب شباب المدارس ليتمكنوا من النهوض بالرأسمالية الصناعية، ومعها – بطبيعة الحال– المشروع الاستعماري البريطاني، ومن ثم فقد كان ضروريًّا أن يحلّ الانضباط محل الفوضى والاضطراب، وبذلك التقى الجميع على تلك الرغبة: رجال الصناعة ورجال الدين.
يذكر ميكائيل كوريا دور القس “توماس أرنولد” مدير كلية بلدة رجبي في الفترة ما بين 1828-1848م فقد كان أرنولد يطمح إلى تطهير المدارس وإرساء نظام تعليمي صارم ومنضبط، ويركز كثيرًا على الأخلاق، وعليه، فقد أرسى مبدأ عقلانيًا يصعب الخلاف حوله، وأسهم –أي هذا المبدأ– بوضوح في جعل كرة القدم نشاطًا مدرسيًّا معتبرًا داخل المدارس، كان أرنولد يقول:
“أفضل أن يلعب طلابي كرة القدم بقوة بدلًا من قضاء أوقات فراغهم في الشرب أو السكر أو القتال في حانات المدينة. الرياضة ترياق للفجور وعلاج لعدم الانضباط”. وبحلول عام 1853م باتت ممارسة الألعاب البدنية شبه إلزامية في المدارس العامة، فأدخلتها بعض الكليات ضمن مناهجها. والحق أن المعلمين عمدوا إلى توظيف كرة القدم من أجل مزيد من الضبط التربوي، وأصبحت الكرة تشغل مساحة كبيرة من وقت الطلاب وجهدهم، كان ذلك ضروريًّا لتشتيت انتباه الطلاب عن أي محاولة للتمرد.
كان ضروريًّا، والحال كذلك، أن تتوحد قواعد اللعبة، لكن هذه القواعد ما كان لها أن تترسخ دون قيم وأخلاقيات، يطلق عليها كوريا “أخلاقيات اللعب النظيف”، وهي أخلاق موروثة مباشرة من قانون شرف الفرسان الذي يجمع بين فن الحرب وفن المجاملات. فلا يمكننا الحديث عن النصر–وفق المؤرخ يوهان هويزينجا– “إلا لو خرج شرف القائد من القتال في أبهى صورة، أو حتى عندما يعرف الفائز كيف لا يفرط في الفرح”.
طريقة بسيطة لقول: لا!
لنتأمل كلمات هذه الأغنية: “أيها الحارس للمرمى استعد للمعركة، أنت خفير مناوب أمام شباكك، فلتتخيل أن حدود الدولة هي المرسومة خلفك”.
لم تكن هذه محض كلمات أغنية في فيلم سوفييتي، لكنها كلمات كاشفة عن الطريقة التي وظفت بها الديكتاتوريات الكرة، من إيطاليا إلى روسيا وإسبانيا. فمنذ وصوله إلى السلطة جعل موسوليني الرياضة عمومًا وكرة القدم خصوصًا سلاحًا سياسيًّا كما لم يفعل أي زعيم سياسي من قبل، كانت سياسته “تهدف إلى تدريب جنود المستقبل المستعدين للدفاع عن الوطن وإخراج رجل جديد، ليكون بمنزلة “رأس الحربة” لأمة صحية ومتجددة”.
لم يكن الأمر تلوينًا لغويًا أو عسكريًا بحتًا لكرة القدم، لقد انشغل موسوليني بالكرة على نحو يفوق الوصف، وليس أدل على ذلك من بناء أكثر من 2000 ملعب في فترة وجيزة جدًا، أقل من خمس سنوات. كما لم تكن اللغة العسكرية نشاطًا سياسيًا عامًا حصرًا، لقد تغلغلت في أداء الجميع من المذيعين والصحافيين، ويمكننا أن نأخذ مثل هذا التعليق لـلمدرب فيتوريو بوز مدرب الفريق الإيطالي بعد فوزه بكأس العالم 1932م:
“نجاحنا مكافأة طبيعية على الجدية والثبات الأخلاقي وروح التضحية بالنفس والإرادة الراسخة لكتيبة من الرجال”.
لا يختلف الأمر كثيرًا عند الاتحاد السوفييتي السابق، فقد نظر الحزب الشيوعي إلى الرياضة أنها أكبر من ممارسة بدنية قصرًا، إنها بالأساس وسيلة لتثقيف الجماهير، وذلك على نحو يخلق إنسانًا قادرًا على الدفاع عن طبقة البروليتاريا. وبذلك بدت ساحات اللعب ساحات للنزال الإيديولوجي، وكان الفوز السوفييتي فيها فوزًا على الرأسمالية الغربية. ولا يختلف الأمر كثيرًا في إسبانيا إبان حكم الجنرال فرانكو، فقد استغلت اللعبة بوضوح، ولا يقتصر الأمر على إعادة تسمية كأس إسبانيا لكرة القدم ليصبح “كأس القائد العام”، وإنما كان على المشجعين في المدرجات الكبيرة أن يصرخوا باستمرار: يحيا فرانكو!
لقد اعتبر فرانكو نادي ريال مدريد النادي الجدير بتمثيل الغضب الإسباني في المحافل الدولية، أو بعبارة أوضح اعتبره ناديه والممثل له، وتحت ثقل الديكتاتورية والفقر والقهر بدت ثقافة كرة القديم وسيلة للإلهاء وثقافة للهروب في الوقت نفسه، وليس أدل على ذلك من وجود ما “لا يقل عن أربعة وعشرين مجلة متخصصة في كرة القدم تصدر في شبه الجزيرة الإيبيرية”.
في مقابل هذا الواقع، وتحت رماد الحرب الأهلية استمرت كتالونيا في معاداة الفاشية، وكانت ملاعب الكرة أحد ميادين المواجهة. وبذلك غدا نادي برشلونة –وفق المؤرخ جوزيب سولي– أداة للمقاومة الاجتماعية والسياسية، ولم يعد ناديًا لبرشلونة بل أصبح بطريقة ما ناديًا لكتالونيا. وعليه، فقد بات دعم برشلونة نوعًا من المقاومة الشعبية للقمع والاستبداد، وفي متناول أي إسباني، وعندما تحدث المواجهة بين برشلونة وخصمه المدريدي “تتحول المدرجات إلى متنفس لمجتمع بأسره يكممه طغيان فرانكو، وبما أنه لا يمكنك الصراخ في الشارع: فرانكو قاتل! فإن الناس يصرخون في وجه لاعبي مدريد”.
كانت الفقرات السابقة قراءة في الجزء الأول من هذا الكتاب ليس إلا، وهو يحتاج بالتأكيد إلى استكمال نطل منه على عالم كرة القدم وتقاطعه مع الاستعمار والديكتاتوريات حول العالم، والشغف الجماهيري وعبادة المشجعين والتحيز الجنسي ضد المرأة، وغير ذلك من القضايا. ونحن فيما قدمنا حاولنا متابعة ظاهرة كرة القدم، وبيان طاقتها الرمزية وكيف وُظفت من الجميع، لكن كرة القدم تأبى إلا أن تكون وفية لأصل نشأتها؛ ببساطة لعبة تحقق المتعة، وتمكن المضطهدين بطريقة آمنة من قول: لا!
مقالات ذات صلة
الساحرة المستديرة.. ووهم البطولة الزائفة
رواية تتخيل مبارة كرة قدم بين مصر وإسرائيل
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا