فن وأدب - مقالاتمقالات

أبجد هوز .. الجزء الأول

هناك اتفاق على تراجع منزلة اللغة العربية في الفضاء العام والخاص، على نحو ما في الدراما واللوحات الإعلانية، وعلى نحو ما نجد في قاعات الدرس والإعلام وساحات القضاء، إلخ.

وهناك استياء من هذا التراجع، وقلق من استمراره، وهذا القلق لا يهمس به في غرف الاجتماعات المختصة، لكنه يأخذ –في العقود الأخيرة خصوصًا– بعدًا اجتماعيًا وشعبيًا يتسع باتساع المواقع الثقافية وحسابات التواصل الاجتماعي، مما جعل قضية اللغة العربية موضوعًا مطروحًا للنقاش الذي ينطوي على كثير من الحسرة وعلى قليل من الأمل في النهوض بها وتحسين شروط تعليمها، يظهر هذا النقاش في كتابات المثقفين والمهتمين بقضية التعليم، بقدر ما يظهر في تعليقات الشرائح الأوسع من المعلمين وأولياء الأمور والطلاب.

رغم ذلك، فإن هذا القلق على اللغة العربية يدل على الإيمان بأهميتها ودورها الذي يتصل بالأبعاد: الوطنية والقومية والعقدية والحضارية والثقافية عمومًا، ثمة إيمان لدى الجميع بقيمة هذه اللغة وجدارتها بالبقاء والتطور، وحقها في أن تسهم فيما يمور به العالم من تيارات وأفكار ورؤى.

الحقيقة أن قضية اللغة –لدينا ولدى غيرنا من الأمم– قضية أساسية، تضع لها الأمم الاستراتيجيات والمؤسسات التي تقوم على خدمتها، والحقيقة أيضًا أن اللغة تأخذ مثل هذه النقاشات العامة التي تزداد حدة حين يكون تعلم اللغة وتعليمها يعيش مأزقًا يمتد إلى الفضاء العام: الثقافي والسياسي والحضاري عمومًا.

بالتأكيد، يمكنك عزو أزمة اللغة العربية إلى التراجع العربي المعاصر على مختلف المستويات، وهذا أمر لا خلاف فيه، فحضور أي لغة ومدى تأثيرها في أهلها وفي غيرهم من الأمم الأخرى يتصل أوثق اتصال بحضورها المحلي والعالمي، وبقدرتها على التأثير في محيطها، بما تنتجه ثقافتها، ومصانعها من مخترعات، وأنت تعلم تراجعنا في هذا الجانب، وتعلم أن هذا التراجع قد طال بأكثر مما ينبغي، أقول ذلك لأن تراجعنا ليس قدرًا، ولأننا أمة عريقة، وهي لذلك جديرة بالإسهام الجاد فيما يضطرب به عالمنا من أفكار ونظريات وما يطرحه من تقنيات ومكتشفات.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

لنقل إن أزمة اللغة العربية جزء من أزمتنا الوجودية، وإن نهوضها المأمول لا ينفصل عن نهوضنا العام، فأقل نهوض ينعكس على هذه اللغة التي تمتاز بالمرونة والقدرة على استيعاب الجديد، بما تمتلكه من أبواب التوسع في الصيغ والاشتقاقات والتراكيب، وهي أبواب يعرفها المختصون جيدًا، ولا مجال هنا لتفصيل القول فيها.

لن أعود بك إلى التاريخ البعيد لهذه اللغة الشريفة لأدلل على ارتباط ازدهارها بالنهوض الاجتماعي والسياسي، فالتجربة القريبة التي أوجدتها النهضة العربية منتصف القرن التاسع عشر حتى النصف الأول من القرن العشرين، تدل بوضوح على ما يمكن لهذه اللغة أن تكون عليه حين تكون الأمة على موعد مع مشروع نهضوي حقيقي ومؤثر وممتد في أنشطتها كافة على نحو ما كان في الحقبة المشار إليها.

يمكنك مثلًا أن تقارن بين اللغة العربية في كتابات النهضويين الأوائل أمثال: العطار ورفاعة والمرصفي ومحمد عبده وقاسم أمين وغيرهم، يمكنك أن تقارن حال اللغة لدى هؤلاء العظام بحالها لدى من سبقهم من الكتًاب والمؤلفين، ثم يمكنك أن تقارن لغتهم –أي جيل رفاعة وعبده وقاسم– بلغة تلاميذهم من الجيل التالي من النهضويين أمثال: المنفلوطي وحافظ والمازني والعقاد وطه حسين الذين باتت اللغة معهم أكثر سلاسة وقدرة على التعبير التداولي المعاصر بعد أن تخففت من قيود الصنعة، واستجابت لكثير من فنون القول المستحدثة مثل: الرواية والقصة والمسرحية، إلخ.

لقد استجابت اللغة العربية على أيدي الجيل الثاني من النهضويين لاشتراطات فن المقال الذي أتقنه الجميع، وأصبح على أيديهم –مع التوسع في إصدار الصحف– علامة مدنية قوية تَمكن عن طريقه هؤلاء الكتّاب من تطويع اللغة واستحداث بلاغة جديدة، يتراجع فيها الشكل الجمالي لحساب المنطق الحجاجي الذي برعوا فيه، بعد أن اتخذوا من أنفسهم دعاة تحديث ونهوض، فألفوا الكتب في الموضوعات المختلفة، وترجموا عن اللغتين الإنجليزية والفرنسية، وقبل هذا وبعده انخرطوا في النضال ضد الاستعمار وانضموا إلى أحزاب سياسية مختلفة البرامج والتوجهات.

في هذا السياق تطورت اللغة، استجابة لحاجات المجتمع الجديدة، ولمواقع الكتّاب الثقافية الجديدة، ففي هذا العصر ومع هؤلاء الرواد سوف يغادر الكاتب والشاعر والمثقف العربي عمومًا موقع النديم أو المؤلف الذي يجمع الكتب ويرتب الأبواب ويلخص ما اتسع من المواد، سوف يغادر هذه المواقع الظليلة الآمنة إلى مواقع أخرى أكثر تأثيرًا وحضورًا، لقد أصبح المثقف النهضوي داعية تغيير ونهوض ومقاومة ونضال، ومع هذا الموقع سوف تغادر اللغة منطق الحيل والاستغراق في الشكل الذي استنفد جهد الكتّاب والشعراء قبل النهضة، حتى باتت البراعة فيه غاية الغايات وبرهان الإجادة وإتقان الصنعة.

لم يتوقف الأمر هنا، فمع هذا الجيل سوف تقدم لنا العربية عالمًا من الأساليب التي تميز –لغويًّا وجماليًا– كل كاتب عن غيره، وتمنح اللغة مساحة غير مسبوقة في تاريخها من المزج بين ما هو فردي ووجداني من ناحية وما هو قاعدي ومعجمي من ناحية أخرى، وكان هذا التنوع الأسلوبي الخصب دليلًا ساطعًا على مرونة اللغة، حتى لكأنها لغات متعددة من الحضور والاختلاف والتميز الفردي، ولعل أجيالًا من القراء يمكنها حتى اليوم تمييز أساليب الكلام لدى كتاب من أمثال: الرافعي والمنفلوطي وطه حسين والعقاد والمازني، إلخ.

لنقل إذًا إن النهوض اللغوي جزء لا ينفك عن النهوض العام الذي سبق ثورة المصريين في 1919م وأعقبها. كانت اللغة على موعد مع المشروع الوطني الناهض، فتغيرت معه، واستجابات لحاجات التواصل مع جماهير أوسع من متلقي الثقافة الذين هم عماد التغيير الوطني.

من هذه الزاوية تحديدًا، يبدو لنا مشروع النهضة الاجتماعي والسياسي والتعليمي والاقتصادي في جوهره مشروعًا لغويًا، بمعنى أنه ما كان له أن يوجد بمعزل عن لغة اتصالية متطورة قادرة على مخاطبة شرائح واسعة من الجماهير، وذلك على نحو ما شهدته اللغة على يد أجيال من النهضويين.

هذا يعني أن كل نهوض لغوي يرتبط –بلا شك– بنهوض اجتماعي وسياسي عام، وهذا كله لم يعد موجودًا اليوم، وهذا أحد أسباب التراجع اللغوي والحديث المستمر عن أزمتها في التعليم وفي الفضاء الثقافي والسياسي عمومًا.

لتكن هذه المقالة مدخلًا عامًا لأزمة اللغة العربية، وفي المقالتين التاليتين ندخل مباشرة في أوضاع تعليمها، ونقترح حلولًا لعل وعسى!

مقالات ذات صلة:

اللغة العربية بوابة التراث

اللغة العربية

اللغة كمدخل لفهم العالم

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا