مقالات

الحجر الذي سقط

يقولون إن التاريخ خيط متصل، موصول أوله بآخره، وليس محض سنين تتراكم بعضها فوق بعض، بل هو تركيب حي مستمر في حركته، مستمر في تطوره، لأنه في حقيقته هو “الإنسان”، بكل ما تحمله هذه الصفة من حمولة ضخمة عن هذا المخلوق المختار، الذي جاء إلى الأرض بإرادة ومشيئة عليا لتحقيق غاية وقصد، وليكون “الحلقة الوسطى” في سلسلة الخلق الكبرى، التي حدثنا عنها الأستاذ العقاد رحمه الله في كتابه الهام” الإنسان في القرآن”.

ومن حكمة الله سبحانه الملك الخلاق العليم أن منح هذا الإنسان “الإرادة الحرة” ليختار مكانه في هذه السلسة، إما تقوى وضمير وإحسان، فيعلوا ويعلوا، وإما فجور وبغي وعصيان، فيسفل ويسفل، حتى يكون مثل نتنياهو أو ساعر أو المشعوذ المهووس بن غفير.

لكننا نعلم من النص القرآني أن الله خلق العالم بإتقان مطلق، ليكون كما نعيش فيه، فلو كانت شحنة الإليكترون مثلًا أضعف قليلًا مما عليه، لتباطأت التفاعلات الكيميائية، ولترتب على ذلك اختلال كبير.

كل هذا وأكثر منه بكثير، يجعلنا نوقن أن ظهور الإنسان ووجوده في تناغم تام مع الكون وصفاته،

وكذلك التاريخ!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

فالحركة والتطور في مسار التاريخ وإنسان التاريخ محكومة بثوابت ومتغيرات، الثابت فيها الجوهري، والمتغير فيها الشكلي، لذلك سنجده يعود، ولن يتكشف هذا المسار إلا لمن يتبصر، والتبصر كما يقولون “الأب الروحي” للمعرفة والقراءة والدرس والبحث والسؤال المتجدد، وهي خصائص إسلامية بامتياز.

تكرار التاريخ لنفسه موضوع تعدد فيه الحديث والجدل، رغم أن المسألة بسيطة للغاية، فهي تدور فقط بين جوهر ثابت، ومظهر متغير.

لكن الإنسان بطبيعته محب للجدل والتنظير والتقعيد والعلو والشهرة والمكانة والغلبة والهيمنة والخلود، وهذه الأشياء كلها التي يجعلها “الموت” لا معنى لها.

أين الأكاسرة الجبابرة الألى ** كنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا

وسنجد موقفًا يحدث حولنا الآن، في غزة، التي كانت طوال السنوات الماضية من 1967م إلى يومنا هذا “حالة” لها خصوصيتها البالغة لإسرائيل، ولولا أنها كانت الطريق إلى سيناء، لما احتلتها إسرائيل التي كانت تريد سيناء للضغط على مصر، في اتجاه ما سيكون لاحقًا مما سيحدث من اتفاقات.

وستبقى معضلة غزة كما هي، بل زد على ذلك أنها أصبحت الآن، العنوان الأبرز أمام العالم كله لقضية “الشعب الفلسطيني” حتى وإن تآمر عليها الجميع، تآمر إخوة يوسف على يوسف.

ورحم الله الشاعر محمود درويش حين وصف الموقف العربي من القضية كلها، في قصيدته البليغة “أنا يوسف يا أبي”، ولعلها من إلهامات الشعراء أن يصف ما حدث في غزة بهذه القصيدة الساطعة بعد أن مات “2008م” رحمه الله.

فما حدث طوال العامين الماضيين من صمود ومواجهة وضع التاريخ العربي الحديث في موقف أسوأ من موقف إخوة يوسف.

الحاصل أننا سنجد أنفسنا أمام “تكرار” الموقف الذي حدث مع شارون في غزة عام 2005م، يتكرر في جوهره مع نتنياهو عام 2025م، وما سيجمعهما في ذلك ليس فقط غزة، بل جانب مهم من جوانب المسكوت عنه في التفسيرات والشروحات وهو جانب “المعاناة الشخصية”!

فلأسباب تتعلق بمعاناته الشخصية، نتنياهو يريد للحرب في غزة أن تستمر، بل وتتمدد في المنطقة كلها، لكن غزة هي “جرح الجراح” عنده، بعد أن تمثلت فيها أكاذيبه كلها وألاعيبه كلها، في أثناء العامين الماضيين.

وهذا موضوع مفتوح ومشروح ويعلمه الجميع، ليس فقط للملاحقات القضائية القديمة، والتورط في الفساد وما إلى ذلك، لكن أيضًا للتحقيق بخصوص إخفاقات السابع من أكتوبر، وهو بسذاجة بلهاء، سارع إلى تكوين لجنة تحقيق حكومية سيحاكم فيها نفسه! في مشهد مليء بالاستخفاف بفكرة الدولة ومؤسسات الدولة ومستقبل الدولة.

ومن تهافت “المشروع الصهيوني” كله أن يأتي يوم يحدث فيه ما يحدث في إسرائيل اليوم، فرد فاسد يضع مصلحته الشخصية في كفة، ومصلحة الدولة في كفة أخرى، والجميع يعلم ذلك، لكنه لم يكن جديدًا فيما فعل.

فلأسباب تتعلق بمعاناته الشخصية أيضًا! أخذ شارون قرار الانسحاب من غزة، لماذا؟ للهروب من تهم جنائية شبه محققة، واتخذ قرارات ذات صبغة استراتيجية، تقرر مصير الدولة برمتها.

هذا ما قاله لنا موشيه يعلون رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق في كتابه “طريق طويلة قصيرة” الذي صدر سنة 2008م، وتحدثنا عنه من قبل.

ويضيف قائلًا: “الموقف السياسي والداخلي لـشارون، ساهم إلى حد بعيد في اتخاذ هذا الموقف التاريخي، لا سيما في ظل التحقيقات التي كانت جارية معه بشأن قضايا الفساد، الأمر الذي دفعه لإعلان الخطة رسميًا لأول مرة في مؤتمر هرتسيليا الخامس (2005م) دون الرجوع إلى الجهات الرسمية ذات الاختصاص، على الأقل في الجانبين الأمني والعسكري”.

ويستطرد: “اللحظة التي قرر فيها شارون الانسحاب من غزة، لم يكن شارون الذي عرفناه طوال العقود الماضية”.

ويشير يعلون أيضًا إلى سلوكيات إدارية غير مقبولة أقدم عليها شارون انطلاقًا من كونه رئيسًا للحكومة، باستدعائه لعدد من الضباط الكبار في الجيش، ومحاولة استمالتهم لرأيه الداعي إلى الانسحاب من غزة، دون الرجوع إلى مرجعياتهم العسكرية في رئاسة الأركان.

ويشن يعلون هجومًا على عدد من الساسة الذين ساهموا في السنوات الأخيرة في اتخاذ قرارات خطيرة تخص أمن إسرائيل، ويقرر أن هؤلاء الساسة، أو بعضهم على الأقل اتخذوا هذه القرارات بناء على حسابات شخصية بحتة.

ويكشف يعلون أيضًا عن نقطة مهمة تتعلق بالفساد العميق في جهاز الدولة، بخاصة عند القرارات الهامة التي تتعلق بالسلم والحرب، فيذكر أنه قال لشارون ذات مرة: “إنه لن يحول جيش الدفاع الإسرائيلي إلى شركة للقطاع الخاص ضمن شركات شارون وأبنائه!”.

لكنه سيقول لنا كلامًا مهما للغاية، يتصل بما يجري الترتيب له الآن بعد قرار مجلس الأمن الأخير (خطة ترمب) رقم 2803: “إن حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بإقامة دولة فلسطينية ذات قدرات اقتصادية متواضعة، ومقسمة جغرافيًا وغير مترابطة، سيحولها في نهاية الأمر إلى دولة عدوانية، لأنها لن تُرضي طموحات الفلسطينيين، وهو خير وصفة لقيام حروب جديدة في المنطقة!”.

الإعلام الإسرائيلي يتحدث الآن عن رغبة نتنياهو وائتلافه في شن حروب جديدة في غزة ولبنان وإيران!

وإذا فعل، فستكون مواجهة مختلفة تمامًا عما سبق من مواجهات، ليس فقط لأن الأطراف الموصولة بالموضوع تعددت وتنوعت، لكن وهو الأهم لأننا نعيش الآن عالم “ما بعد الطوفان”. وهو أصدق حقيقة فرضت نفسها بطول الأرض وعرضها، بعد أن كشفت الأكاذيب كلها.

تحكي الأسطورة: أن أحد الناس كان يسير تحت قوس قديم من الحجارة، فتساءل لماذا لا يسقط هذا القوس؟ فسمع صوتًا يقول: لأن أحجاره كلها تريد أن تسقط في وقت واحد!

فقط حجر واحد سيسبق الجميع، ويأتي السقوط.

مقالات ذات صلة:

ماذا فعل طوفان الأقصى بإسرائيل؟

البعد الآخر

إسرائيل تخسر أكثر بكثير من الفلسطينين

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. هشام الحمامى

رئيس المركز الثقافي اتحاد الأطباء العرب – عضو الأمانة العامة والمجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب – مدير الشئون الطبية بقطاع البترول