فن وأدب - مقالاتمقالات

مسرح القهوة

ممارسة فن المسرح لا تقتصر على المسرح الذي ألفناه ونعرفه بشكله وتصميمه، وهو ما يطلق عليه مسرح العلبة أو المسرح الإيطالي، ومن ثم لجأ المسرحيون إلى الأماكن الضيقة حيث يقدمون أعمالهم الدرامية لمرتادي تلك الأماكن من كتّاب ومخرجين وممثلين (هواة ومحترفين) ونقاد ومحبي المسرح، إذ يتحقق للجميع التواصل في أرقى صوره بإزالة الحائط الرائع الذي يفصل بين المسرحية أو ما يؤدى والجمهور، سعيًا نحو تفاعلية إيجابية تنزع عن الحاضرين صفة السلبية.

فهناك شحذ للإدراك وتيقظ، وممارسة ذهنية للتمتع واستجلاء ما في العرض من رموز تنتج معانٍ وما يتولد عنها من دلالات، والتعرف على الرؤى المختلفة للحضور ووجهات نظرهم في حالة حراك حواري يدفع بالمسرح وأفكاره المتداولة للرقي.

من هنا برزت أهمية ما يسمى ممارسة فن المسرح وشكله في الفضاءات غير التقليدية؛ مسرح الشارع، مسرح الجرن، مسرح السوق، مسرح الغرفة، مسرح القهوة، مسرح الشوك، سعيًا لنشر المسرح والمحافظة على جمهوره والارتقاء بمضامينه وموضوعاته، يهدف إلى تحريض الجمهور دافعًا إياه لاتخاذ موقف بغية فضح الواقع وتغييره. واكتشاف اهتمامات الجمهور، كما يعد منافذ إبداعية لطرح رؤى جديدة تجريبية ومبتكرة، ومواهب جديدة في العناصر المسرحية كافة من تأليف وإخراج وتمثيل وكتابة أغانٍ وأشعار، وتدريبات مسرحية للهواة، مع توافر عروض مسرحية على مدار العام بعيدًا عن المسارح الكبيرة ومواسم عروضها.

إن المسرح فن حي في حالة دائبة من الفعل ورد الفعل، يقاوم الجمود، يصر على البقاء، قد يبدو مستسلمًا في بعض الفترات، لكنه سرعان ما يثور كبركان يخمد حينًا ويثور حينًا، وحَفِل التاريخ بفترات ركود نتج عنها أشكال مسرحية ثائرة متمردة مقاومة.

مسرح القهوة والفضاءات غير التقليدية يبرز في أوقات يلاحظ فيها أهل المسرح انصراف الجمهور عن العروض وقلة ارتياد المسارح، ومن أبرزها كما سطرها د. إبراهيم حمادة في معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية حركة المسارح الصغيرة (Little Theatre Movement)، التي ظهرت في أول الأمر كي تعمل على تشجيع الكتابات الدرامية الجديدة، وترويج المسرحيات ذات المستوى الجيد، وبدورها تهدف إلى معارضة المسرحيات التجارية الهابطة، التي كان يستمر عرضها على الجمهور شهورًا طويلة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ولقد بدأت الحركة بمحاولة أندريه أنطوان (1859 – 1943)، في أن يقدم لجمهور مختار مدرب الذوق تجارب درامية في أسلوب مسرحي جديد على خشبة مسرح صغير هو المسرح الحر، الذي أسسه بباريس عام 1887، ونجح أنطوان في أن يقدم على مسرحه هذا أعمالًا درامية لكل من: تولستوي، ترجنيف، إبسن، استرندبرج، هوفمان، لامتر، إلخ. غير أن نجاحه المحدود أدى إلى ظهور مسرحين صغيرين هما (Theatre de l oeuvre – 1893)، و(Vieux Colombier – 1914).

(Theatre de l oeuvre) هي “مسرح العمل” أو “مسرح الإبداع” أو “مسرح الجهد”. تعتمد الترجمة الدقيقة على السياق الذي ترد فيه العبارة، إذ إن كلمة (oeuvre) في الفرنسية تستخدم في سياقات مختلفة، إذ يمكن أن تعني “عمل”، “إبداع”، “جهد”، “إنتاج”، “مصنف”.

اقرأ أيضا: البعد الرابع في الفن

ولقد بدأت حركة المسارح الصغيرة، بإنجلترا بتأسيس المسرح الحرة عام 1891. وفي أيرلندا بتأسيس المسرح الصغير، سنة 1899، وكان يهدف إلى تشجيع كتّاب القراءة الأيرلنديين الجدد. أما في أمريكا ظهرت الحركة متمثلة في إنشاء ثلاثة مسارح بشيكاغو عام 1907/1909، ثم توالت ظهور المسارح الصغيرة في بوسطن ونيويورك، وفي مدن أمريكية أخرى، وأوربية أيضًا.(1)

وأيضا ما أورده د. أحمد بلخيري معجم المصطلحات عن مسرح المقهى (Le café-théâtre):

يعد مسرح المقهى في شكله وبرنامجه الحاليين ابتكارًا حديثًا، ذلك أنه في سنة 1961 فتح “الرزا” مقهى تقدم فيها فرجات من الشعر والأغاني. وفي سنة 1966 فتح داكوستا “الملكي”، أول مقهى حملت اسم مسرح المقهى ومنذ ذلك الحين، يمكن إحصاء نحو ثلاثين مسرح مقهى في باريس، وثمانين بفرنسا. وهذا النموذج من الفرجات يعرف نجًاحا متزايدًا.

ومسرح المقهى، رغم شهرته الحديثة جدًا، له مع ذلك جذور مدهشة ضاربة في أعماق التاريخ. وفي هذا الصدد، نذكر مقهى العصر الوسيط كما تخيلها فيلون، ومقاهي الفلاسفة في القرن الثامن عشر، إذ كان يجري إعداد الفكر الفلسفي، الذي يتواجه مع الحياة اليومية. وكانت مقهى القرن التاسع عشر “خمارة” للطبقات الشعبية التي تبدو مكانًا لقتل الوقت، أكثر من كونها مكانًا للتبادل الثقافي المنظم.

إن ما يمنح مسرح المقهى أصالته اليوم أنه غدا ملاذًا أخيرًا للكتّاب والممثلين الذين لا يتعارفون فيما بينهم، وهو جواب عن أزمة الكتّاب المزعومة، وعن صعوبة العثور على مكان للاشتغال، وأيضًا جواب عن طلب ملح لجمهور شاب يبحث عن موهوبين جدد، وعن ضحك محرر وريبرتوار تجديدي مرتبط بالراهن، ومسرح المقهى لا يتوفر على عناصر تخص نوعًا دراميًا جديدًا، ولاحت على نموذج أصلي للسينوغرافيا أو المكان، لكنه حصيلة مجموعة من الظروف الاقتصادية، التي تفرض أسلوبًا منسقًا ومنتظمًا بهذا القدر أو ذاك: المشهد قصير جدًا يسمح بصعوبة تشغيل أكثر من ثلاثة أو أربعة ممثلين ويقيم علاقة أكثر تقاربًا مع القاعة التي يوجد بها خمسون إلى ستين متفرجًا، وفي أمسية واحدة تتابع فرجتان أو ثلاث تتميز ضرورة بالقصر (نحو ستين دقيقة) وتقوم على تصور هزلي –غالبًا– لممثلين دُعوا “تراجيديًا” لتحمل الأخطار المادية، وذلك حين اقتسام الدخل مع مدير المسرحية. وتكون النصوص غالبًا ساتيرية (مسرحية الساتير، نوع من الدراما اليونانية القديمة التي تحافظ على بنية المأساة وشخصياتها مع اعتماد أجواء سعيدة وخلفية ريفية وشعبية)، أو شعرية (تركيب نصوص أو أشعار أو أغانٍ).

وهي تقريبًا الإبداعات التي تعاد في المسارح الكبيرة حين نجاحها الكبير، أو في الشارع، أو في السينما (2).

ويذكر تاريخ مسرح القهوة ذلك المسرح المجتمع الذي يركز على الفن والتعبير الاجتماعي وأبرزها تاريخيًا مسرح القهوة البولندي، ومسرح القهوة في مصر (ناجي جورج، عبد الرحمن عرنوس، محمد فاضل)، ومسرح الشوك في سوريا (عمر حجو)، ومسرح المقيل في اليمن (عبد العزيز المقالح)، ومسرح السوق في قهوة أحمد زايد المكي بالدامر بولاية نهر النيل بالسودان.

يشير د. محمد عبد المنعم إلى أن مسرح المقهى أو مسرح القهوة كما هو شائع، فيطلق على “مسرحيات قد يؤلفها كاتب يعرف فنون الكتابة، ويخرجها مخرج محترف، وممثلون محترفون، يريدون الخروج عن الجمود المكرر من العروض على المسرح ذي النمط الإيطالي. وقدمت أمثلة منها في مقاهي باريس وأوروبا وأمريكا”، قدم في مصر في الوقت الذي كان يعرض فيه مسرح الشوك في سوريا ولبنان بداية من عام 1969م وعام 1970م، لكن تلك التجارب لم تصمد طويلًا.

ظاهرة المقاهي الفنية لم تكن وليدة القرن العشرين، وإنما عرفتها مصر قديمًا في أثناء الحكم التركي العثماني، وكان لها أثر كبير في حياة الأدب والفن، إذ كانت تمثل مراكز إشعاع مضيئة في أنحاء القاهرة، إذ كانت تقدم ألوانًا من الفنون المختلفة، وكانت لا تخلو من الفنون الشعبية السائدة آنذاك مثل: السير الشعبية والملاحم، فن الحكواتي، فنون الأدباتية، فن خيال الظل، رقص العوالم والغناء، وغيرها من الفنون.

على أنه يجب أن نميز بين “المقهى الثقافي”؛ مقهى المناقشات الثقافية والندوات الأدبية، ولا مانع من أن يقدم منوعات من الأدب والمسرح والموسيقى ومعارض للفنون التشكيلية، وإليها ينتمى ما قدمه عبد الرحمن عرنوس في بورسعيد والقاهرة (3)، ومصطلح “المقهى المسرحي”؛ المقهى المصنوع سينوغرافيًا على المسرح، مقهى يتمثل في أداة فنية في إطار المضمون الدرامي على خشبة المسرح لضرورة الرؤية الدرامية أو الإخراجية له، أي أنه مقهى يُصنع على يد مهندس الديكور ليُوظَّف فوق خشبة المسرح وفقًا لمتطلبات الموقف الدرامي.

أما “مسرح المقهى” أو “مسرح القهوة” كما هو شائع، فيطلق على مسرحيات قد يؤلفها كاتب يعرف فنون الكتابة، ويخرجها مخرج محترف، وممثلون محترفون، يريدون الخروج عن الجمود المكرر من العروض على المسرح ذي النمط الإيطالي.

اقرأ أيضا: وظيفة المسرح

السمات الفنية لعروض مسرح القهوة والأماكن الضيقة

  • على مستوى الإخراج، لا بد للمخرج من الاستغناء عن الزوائد المسرحية والبهرجة الزائدة، بهدف توظيف عناصر المكان الذي يقدم فيه العرض ومسرحتها، مع اللجوء إلى الرموز والإيحاءات في توازن بعيدًا عن الغموض، وإلا فقد اتصاله بالجمهور، مما يظهر جليًا من تفاعليته مع العرض في أثنائه أو بعده.
  • موضوع يمس الجمهور وواقعه ما يدفعه إلى التفاعل والتغيير.
  • النص إما تراثي أو لمؤلف محترف أو لمؤلف هاوٍ.
  • الإضاءة: إضاءة المقهى العادية الطبيعية، مما يؤكد على كسر الإيهام ويبقي المتفرج يقظًا.
  • الديكور، الإكسوارات، الأزياء المستلهمة من طبيعة المكان وتوافقها مع موضوع العرض، الماكياج في أضيق الحدود.
  • الحوارات قصيرة في حالة تعدد الممثلين، البعد عن المونولوجات الطويلة.
  • كلمات الأغاني وأشعارها من نسيج العمل الدرامي تعزز تأثيره، مع التحكم في ارتجال الحركة والحوار بحيث لا ينفرط عقد العرض ويتهلهل.
  • الموسيقى محدودة العدد من الآلات غالبًا ناي، كمان، إيقاع، والمؤثرات الصوتية مألوفة مع مراعاة ضبط الصوت بدقة في مكان العرض وهو القهوة ما يضمن عدم تعرضه للتداخلات التي تمنع من وصوله واضحًا للجمهور.
  • أداء الممثل يمثل تحديًا شخصيًا لإبراز قدراته في توظيف مكامن موهبته وقدرته الأدائية كلها المتوافقة مع مساحة المكان الضيق المحدود وطبيعته، بحركات طبيعية بعيدًا عن الحركات المركبة التي لا تتناسب وطبيعة المكان، مع المحافظة على تركيزه إلى أعلى درجة سعيًا نحو التواصل مع الجمهور والتأثير فيهم ووصول رسالة العرض إليهم.

عدد الممثلين محدود جدًا ما بين واحد إلى ثلاثة حتى تكون هناك مساحة للميز انسين المناسب والتناسب مع حركتهم.

كما أن ضيق المكان يمكن أن يؤثر على أساليب المسرح، مثل استخدام المسرح الصامت أو البانتوميم للتعبير عن الأفكار دون الحاجة إلى حوار لفظي مطول.

  • رقصات يتضمنها العرض تجسد المعاني عن طريق اللغة الجسدية والإيقاعات المصاحبة.
  • مدة العرض لا تزيد في الغالب عن نصف ساعة.
  • تنظيم الجمهور وضمان رؤية متعادلة ومريحة.
  • والأهم من ذلك كله توافق فريق العمل كاملًا من مؤلف ومخرج وممثلين وقناعتهم بما يؤدونه وما يحاولون توصيله إلى الجمهور.

اقرأ أيضاً: الحداثة والمسرح الحداثي

المراجع

  • د. إبراهيم حمادة، معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية، ص: 209، ط1، دار المعارف، 1985).
  • د. أحمد بلخيري معجم المصطلحات المسرحية، مسرح المقهى : Le café-théâtre ص: 327 الطبعة الثالثة دار الأمان الدار البيضاء.
  • د. محمد عبد المنعم – قسم المسرح بكلية الآداب – جامعة الإسكندرية مسرح القهــوة في مصر، الحوار المتمدن، العدد: 3165 – 2010 / 10 / 25.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. كمال يونس

استشاري طب الأطفال ، كاتب ونقد مسرحي ، قاص