قراءة نقدية في بناء العلاقات السببية بين المتغيرات النفسية والاجتماعية

تشكّل النماذج السببية في البحوث النفسية أداة تحققية دقيقة، هدفها فحص افتراضات نظرية بُنِيَت مسبقًا وليس اكتشاف علاقات جديدة. لذلك، فإن أي نموذج سببي ثلاثي المتغيرات –مثل الدعم الأسري، الضغوط الوالدية، الرفاهية النفسية– يتطلب ضبطًا نظريًا محكمًا قبل الانتقال إلى التحليل البنائي. فنحن لسنا في مساحة استكشاف، بل في مساحة اختبار، وهنا يصبح أي خلل في تعريف المتغيرات أو تحديد العلاقات أو صياغة الفرضيات خللًا في صميم النموذج ذاته، لا في مخرجاته. إن جوهر النقد البنّاء يبدأ من هنا: هل النموذج قابل للتحقق؟ وهل الأدوات والبنية النظرية تمتلك من الاتساق ما يسمح بإجراء اختبار حقيقي للعلاقات السببية؟
على ذلك فإنه يتطلب بناء نموذج بنائي ناضج من حيث اختيار متغيرات واضحة قابلة للتفريق البنائي، وقابلة للقياس. لذلك يمكن استبدال المتغيرات الحساسة في العنوان الأصلي بمتغيرات بديلة مثل الدعم الأسري بدلًا من الصمود، الضغوط الوالدية بدلًا من الإجهاد، الرفاهية النفسية بدلًا من جودة الحياة. غير أن صحة النموذج لا تعتمد فقط على وضوح المتغيرات، بل على القدرة على التحقق من صلاحية كل متغير كونه منشأ (Construct) مميزًا عن الآخر. فالتحقق من صدق التمييز (Discriminant Validity) ليست رفاهية إحصائية، بل شرطًا لضمان أن العلاقات السببية لا تبنى على متغيرات تتقاطع دلاليًا أو تنصهر في مفهوم واحد.
هنا تظهر أهمية انتقاء عينة من داخل العينة الأصلية، وهو إجراء شائع في البحوث التي تعتمد على النمذجة البنائية. فبما أن النموذج البنائي مدخل تحققي، فإن الباحث يحتاج إلى عينة أولية واسعة لفحص جودة البيانات، ثم اختيار عينة فرعية تمتلك خصائص أفضل لأغراض اختبار النموذج المفترض. هذه العملية ليست تلاعبًا بالعينة، بل خطوة منهجية لها فوائد أساسية: التأكد من التجانس، إزالة الحالات الشاذة، تعزيز جودة التباين، ضمان تمثيل الفروق الحقيقية في المتغيرات الثلاثة. وأن العينة الأولى تساعد في فحص جودة أدوات القياس، في حين تتيح العينة الفرعية اختبار النموذج السببي في صورته النهائية، بحيث تصبح النتائج أكثر ثباتًا ومصداقية.
تبقى قوة أي نموذج سببي مرهونة بقدرة الباحث على التحقق من البنية العاملية قبل تفسير المسارات السببية. فملاءمة النموذج لا تعني صحته النظرية، والتحليل العاملي التوكيدي ليس محض خطوة شكلية داخل البرنامج، بل اختبار حقيقي لقوة الافتراضات. إضافة إلى أن تقسيم العينة إلى أولية وفرعية يضيف طبقة أعلى من الصرامة المنهجية، ويوفر فرصة لاختبار ثبات النموذج عبر مجموعتين مختلفتين. في النهاية، فإن النموذج البنائي لا يعد لوحة فنية تصاغ لتبدو جميلة، بل تعد أداة قياس دقيقة تختبر لتحكي الحقيقة كما هي، لا كما نرغب أن تبدو.
مقالات ذات صلة:
الحل في الإيجابية والبحث والإبداع
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا