البعد الآخر

يقول المثل العربي القديم: “إياك أعني واسمعي يا جارة”، وكذلك المثل العامي: “اضرب المربوط يخاف السايب”.
لكل منا جوانب في شخصيته، فنجد شخصًا واضحًا وضوح الشمس وكما يقال: “اللي في قلبه على لسانه”، وشخص يخفي بعض الكلام ويظهر بعضه، وآخر لا يظهر أي شيء فهو شخص غامض لا نعرف عنه أيّ شيء.
هذه الجوانب والصفات منها ما يُعَد ميزة ومنها ما يعد عيبًا، فلكل منا طبعه وأسلوبه ومنهاج حياته الذي يسير عليه ويفكّر به.
وعلى الرغم من ذلك لا ينبغي تصديق كل ما يقال ولا التسليم بكل ما نراه وبخاصة من الإعلام العالمي الذي فيه دخن، وبالأخص بعد دخول الذكاء الاصطناعي بكل قوة وسيطرة على خط المواجهة في حياة الناس.
لأجل هذا كله ينبغي علينا الهدوء والرويّة في التفكير عندما نستمع أو نرى حديثًا أو فعلًا، والأخذ في الاعتبار الأبعاد والمقاصد الأخرى، وما كليلة ودمنة عنا ببعيد، وعندما يطلق الأب أو الأم للابن تصريحًا حادًا فيمكن أن يكون لاعتبارات أخرى كالإصلاح أوالتربية أو التنبيه لأمر ما.
وقد تطلق شركة أو مؤسسة ما إشاعة معينة لجسّ نبض السوق أو الشارع لمعرفة الصدى والمردود لهذه الشائعة أو ذلك التصريح ومن ثم البناء عليه إما بالمضي قدمًا أو الإحجام.
ومن ذلك أيضًا ما لا حظناه من الحروب في عصرنا الحديث مثل حرب الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر عام 2023م، وعملية طوفان الأقصى التي استغلتها إسرائيل ذريعةً لقتل كل حيّ حتى الشجر والحجر، ومن ذلك المدارس والجامعات والمستشفيات ومراكز الأبحاث حتى أماكن العبادة مثل المساجد والكنائس، التي لها أسماء تدل دلالة صريحة على أنها نشأت على المعونة وأبواب الخير، فالمستشفيات مثل: المستشفى الإندونيسي، والمستشفى الكويتي، ومستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، والمستشفى الميداني الأردني، ومستشفى الشيخ محمد بن خليفة آل ثان، والمستشفى الأهلي العربي أو المستشفى المعمداني.
ومن الجامعات: جامعة الأقصى، وجامعة الإسراء، وجامعة الأزهر، وجامعة القدس المفتوحة، والجامعة الإسلامية.
هذه نماذج فقط من التدمير الشامل الذي دأب عليه الاحتلال لقتل مظاهر التعليم والعبادة وطمسها كلها، وفي الوقت نفسه ركّز الإعلام العربي والعالمي على دخول المساعدات الإنسانية وأن هذا القتل والدمار “قد يرقى” إلى الإبادة الجماعية، ولم يركّز على البعد الآخر وهو الشلل التام لمظاهر الحياة والقتل الممنهج للعلماء في المجالات كلها والعقول والرياضيين والحاصلين على جوائز عالمية وغيرهم.
وهناك بعد آخر، وهو أسماء هذه المباني ورمزيتها ودلالاتها مثل جامعة الأزهر التي ترمز لدولة بحجم مصر، والعالم الإسلامي والإسلام الوسطي المعتدل، والجامعة الإسلامية التي تخرّج العلماء، وتدمير المستشفيات التي تحمل أسماء مثل: الأردن وتركيا والكويت وقطر، إلخ، يُعَد تهكمًا واستهانة بتلك الدول من ناحية، ومن ناحية أخرى إهدار لأموالها التي تبرعت بها لقطاع في دولة أحكم الاحتلال السيطرة عليه وخنقه لسنوات عديدة.
وعزاؤنا أن الذين قتلوا أنبياء الله لا يعز عليهم المحافظة على مسجد أو كنيسة أو كتّاب لتعليم مبادئ القراءة والكتابة وشيئًا من القرآن الكريم.
وها هنا بعد آخر، وهو أن إبادة سكان قطاع غزة وتشديد الاحتلال سطوته وإحكامه على الضفّة الغربية وترك قطعان المستوطنين يعيثون في مساكن الفلسطينيين وحقولهم فسادًا رسالة واضحة أنه من يرفع رأسه من الدول العربية المجاورة سيكون مصيره كهؤلاء.
وها هنا بعد آخر، وهو أن كثرة الضغوط والتضييق وقفل باب الحوار والمناقشة في العلن سيفتح الباب واسعًا لتدبير عمليات مثل الدهس والأكمنة التي تقض مضجع المحتلين مما يجعل أمنهم واستقرارهم مستحيلًا.
إن الأمر لم ينته بعد، فدعوة ترمب –الأب الروحي والمتبنّي لمجرم الحرب نتنياهو الذي أطلق ريفيرا الشرق على القطاع لموقعه وخيراته– لن يرجع عن ذلك مع علمه أن المقاومة عصيّة عليه، ومع وقف إطلاق النار الذي لم يقف من جانب إسرائيل، لمعت غزة في عيون الدول الأوروبية الاستعمارية بذريعة مراقبة وقف إطلاق النار وحفظ السلام وعرض إرسال بعض القوات، وطبعًا الدول العربية هي التي ستدفع الفاتورة، وبهذا تجد لها موطىء قدم (احتلال)، لكن بطعم الدبلوماسية الناعمة، وإن غدًا لناظره قريب، فلك الله يا فلسطين.
مقالات ذات صلة:
نزع السلاح .. والفريضة المكتوبة
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا