علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

وجوه بلا أقنعة

حيث يختبر الذهب بالنار

في زمنٍ ازدحمت فيه الأقنعة وتداخلت فيه الأدوار، أصبح التفريق بين الصدق والزيف مهمة شاقة. ولم تعد الكلمات معيارًا، ولا المظاهر دليلًا، فكم من متحدثٍ بارع يخفي وراء فصاحته خواءً، وكم من وجهٍ باسم يخفي غدرًا لا يكتشف إلا عند أول اختبار. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين من يعيش الأصالة بوصفها جزءًا من تكوينه، ومن يحاول أن يتقمصها كدورٍ على مسرح الحياة.

وعليه فإن الأصالة لا تكتسب بمحاضراتٍ أو نصوصٍ منمقة، بل تورث وتغرس في النفوس منذ الصغر، ثم تثبت بالمواقف حين تعصف العواصف. إنها ليست محض كلمات تطلق عند الحاجة، بل هي جذورٌ تمتد في العمق، تظهر صلابتها عند كل منعطف. ولهذا فإن الإنسان الأصيل قد لا يحتاج أن يثبت نفسه بالكلام، بل يكفي أن تقرأ صدقه في أفعاله، وثباته في الشدائد، ونقائه في التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها الممثلون.

غير أن هذا الوعي لا يولد من فراغ، بل يتشكل من التجارب التي كثيرًا ما كانت قاسية. وحدها الخيبات المتكررة، والوجوه التي بدت ودودة ثم كشفت عن أنيابها، والليالي التي سقط فيها المرء واقفًا، هي التي تمنح الإنسان بصيرةً حقيقية. تلك البصيرة لا يمكن أن نجدها في كتابٍ أو قاعة محاضرة، بل تُصنَع من رماد التجارب ومن أثمانٍ دُفِعت من العمر والروح.

ومع هذه الخبرة، يصبح الإنسان قادرًا على تمييز الأصالة في لحظة، فلا يحتاج إلى وقتٍ طويل ليعرف معادن الناس. فكلمة صادقة قد تكشف له جوهر إنسان، كما أن زلة صغيرة قد تفضح زيفًا متقنًا. هنا يدرك أن المسرح مهما ازدحم بالممثلين، فإن الوعي الذي صُقِل بالتجارب لا يخدعه المشهد، وأن الحقيقة –رغم صمتها– قادرة على أن تجد من يراها وسط الزحام.

في النهاية تبقى الأصالة مثل الذهب، لا تصدأ ولا يبهتها الزمن، بل تزداد بريقًا كلما اشتدت عليها النار. أما الزيف فمهما تزين وادعى يذوب عند أول اختبار. وهكذا، فإن الحياة ليست سوى سلسلة من الاختبارات تُسقِط الأقنعة واحدًا تلو الآخر، وتترك أمامك الوجوه كما هي، إمّا ذهبًا نقيًا يزداد إشراقًا، أو معدنًا زائفًا لا يصمد أمام الحقيقة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ولعل الرسالة الأعمق هنا أن نتمسك بأصالتنا مهما كان الطريق شاقًا، وألا ننجر وراء الأقنعة حتى وإن أغرتنا سهولة ارتدائها. فالأصيل قد يخسر أحيانًا، لكنه يخسر بشرف، أما المزيف فقد يربح لحظة، لكنه يخسر ذاته إلى الأبد. فليكن خيارنا دائمًا أن نعيش كما نحن بصدقٍ وصفاء حتى وإن قلّ الرفاق، لأن القليل الصادق أثمن من كثرةٍ غارقة في الزيف.

مقالات ذات صلة:

غربلة العمر كيف يكشف الزمن معادن البشر؟

الأقنعة المتغيّرة

الوجه بوصفه آية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

ا.د. هشام الخولي

أستاذ القياس والتقويم النفس التربوي كلية التربية – جامعة السويس رئيس قسم علم النفس التربوي