نحو ذكاء اصطناعي متوافق مع القيم الإنسانية

أوشك الذكاء الاصطناعي في عالمنا الراهن أن يبلغ مرحلةً بالغة الخطورة، إذ يتمثّل هذا الخطر في تهديد الوظائف والعلاقات الإنسانية، بل ويمتد ليهدّد الحضارة البشرية ذاتها، ومن هنا أكّد الباحث “ستيوارت راسل”، المتخصص في مجال الذكاء الاصطناعي، أن السيناريو المخيف لهذا المجال يمكن للإنسان أن يتجنّبه، لكن ذلك مشروطٌ بإعادة التفكير في الذكاء الاصطناعي برمّته.
يعد “ستيوارت راسل” مؤلف كتاب «ذكاء اصطناعي متوافق مع البشر: حتى لا تفرض الآلات سيطرتها على العالم»، الذي يشغل منصب أستاذ علوم الحاسوب والهندسة في جامعة كاليفورنيا، فهو واحد من أبرز المتخصصين عالميًّا في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ تولّى منصب نائب رئيس مجلس الذكاء الاصطناعي والروبوتات التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، كما عمل مستشارًا للأمم المتحدة في مجال الحدّ من التسلّح، وبخاصة مخاطر الأسلحة ذاتية التشغيل.
وقد سعى ستيوارت راسل في كتابه إلى تقديم رؤية جديدة لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي آمنة ومتوافقة مع القيم الإنسانية، وقد استند المؤلف إلى خبرته العميقة في هذا المجال ليبرز المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي المتقدّم، كما طرح مجموعة من الحلول التي من شأنها أن تضمن بقاء هذه الأنظمة تحت السيطرة البشرية، ويتكوّن الكتاب من عشرة فصول تسبقها مقدمة تمهيدية، ويختتم بأربعة ملاحق توضيحية تعزز من فهم القارئ للقضايا التقنية والفكرية المطروحة فيه. وفيما يلي توضيح لهذه الفصول.
الفصل الأول: ماذا لو نجحنا؟
بدأ “راسل” متسائلًا في هذا الفصل عن نجاح الذكاء الاصطناعي وتفوقه على ذكاء البشر، وقد ناقش هذه المسألة من منظور علمي وفلسفي مؤكدًا على أن النجاح في هذا المجال سيكون ذا تأثيرات خطيرة على البشرية، ما لم توضع حدود لتطور الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن الذكاء الخارق الناتج عن أنظمة الذكاء الاصطناعي وتقنياته ستمكنه من إعادة تشكيل العالم بطرق غير متوقعة.
الفصل الثاني: مفهوم الذكاء في البشر والآلات
وقد كشف المؤلف في هذا الفصل الفرق بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي، فالأول قد تميز بالحدس والعاطفة والفطنة والحكمة، في حين وصف الثاني بالاعتماد على الخوارزميات والحسابات المنطقية والمعادلات الحسابية، مما أوجد فجوة كبيرة بينهما، بل يمكن أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى مقاربة البشر بفضل تطور تقنيات التعلم العميق والمحاكاة العصبية.
الفصل الثالث: كيف يمكن أن يتطوّر الذكاء الاصطناعي في المستقبل؟
عرض “راسل” في هذا الفصل التطورات المستقبلية في أنظمة الذكاء الاصطناعي وتقنياته، مثل ظهور السيارات ذاتية القيادة، والمساعد الشّخصي الذّكي والمنازل الذكيّة والروبوتات المنزلية، وليس هذا فقط، بل وصل التطور إلى إنتاج تقنيات ذكاء اصطناعي خارقة ستتفوق على قدرات الذكاء البشري، مما يمكن هذه التقنيات من أداء المهام البشرية على الوجه التام.
الفصل الرابع: إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي
قد بين “راسل” في هذا الفصل إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي وتقنياته الحديثة والمتطورة بطرق غير أخلاقية، ومنها على سبيل المثال المراقبة الجماعية وانتهاكه للخصوصية، وأيضًا تتمكن أدوات الذكاء في بعض الأحيان من التلاعب بالانتخابات عبر الأخبار الزائفة، والقضاء على مفهوم العمل الذي عهدناه عن طريق أداء الروبوتات للأعمال التي يؤديها الإنسان، بل والأخطر في استخداماته المتمثلة في الأسلحة ذاتية التشغيل، ولهذا فقد شدد “راسل” على ضرورة وضع قوانين صارمة للحد من هذه الاستخدامات الضارة بالحياة الإنسانية.
الفصل الخامس: الذكاء الاصطناعي الفائق الذكاء
ناقش “راسل” في هذا الفصل فكرة الذكاء الاصطناعي الذي يتجاوز عمل الذكاء البشري في المجالات كلها، ومن ثم فإن وجود الذكاء الاصطناعي وأدواته وآلاته الفائقة سوف يكون ذا أثر سلبي على حياة البشر، بل يمكن أن يؤدي إلى القضاء على الجنس البشري، وذلك إذا استمر بهذا التطور، إلا أن “راسل” لا يتوقّع أن يكون الهدف الذي سيدمج في تلك الآلات من النوعية التي ستضمن “السيطرة على العالم”، بل من المحتمل أكثر أن يكون تعظيم الأرباح أو تعظيم المشاركة أو ربما حتى هدفًا يبدو محمودًا مثل تحقيق درجات أعلى في الاستبيانات المنتظمة الخاصة بمدى سعادة المستخدمين، أو تقليل استخدامنا للطاقة.
الفصل السادس: الجدل غير الواسع الدائر بشأن الذكاء الاصطناعي
يشير “راسل” في هذا الفصل إلى قلة الاهتمام واللا مبالاة من جانب الباحثين والعلماء والمفكرين بل وعامة الناس منذ بدايات ظهور الذكاء الاصطناعي، ومن ثم قل النقاش بشأن أدواته وتقنياته، بل إنّ البعض زعم بأن القلق منه أمر سابق لأوانه، وهم غير مدركين للمخاطر المحتملة، فهو يستحقّ نقاشًا عامًا على أعلى مستوى. لذا، من أجل تعزيز ذلك النقاش بخصوص كيفية توجيه الذكاء الاصطناعي لخدمة البشرية.
الفصل السابع: الذكاء الاصطناعي: توجّه مختلف
اقترح “راسل” في هذا الفصل العمل على إطلاق نموذج جديد للذكاء الاصطناعي يعتمد على عدم اليقين بشأن الأهداف البشرية، بتصميم آلاتٍ ذات درجة عالية من الذكاء يمكن أن تساعدنا في حل المشكلات الصعبة، مع ضمان عدم تصرّفها على الإطلاق على نحوٍ يجعلنا تعساء على نحوٍ خطير. وقد وضع “راسل” هذا التوجه في ثلاث نقاط أساسية يجب أن تتبعها نظم الذكاء الاصطناعي وتقنياته وهي:
- الهدف الوحيد للآلة: التحقيق الأمثل للتفضيلات البشرية.
- يجب أن تكون الآلة بالأساس غير متيقّنة من ماهية تلك التفضيلات.
- مصدر المعلومات الأساسي للتفضيلات البشرية هو السلوك البشري.
الفصل الثامن: الذكاء الاصطناعي النافع على نحو مثبت
ناقش “راسل” في الفصل بناء الذكاء الاصطناعي على أسس جديدة تحقق مستقبلًا آمنًا للبشرية، فلا بد أن تكون هذه الأسس متينة، فعلى سبيل المثال يمكن تعلم التفضيلات من السلوك إذ يتعرف علماء الاقتصاد على التفضيلات عن طريق المبحوثين البشريّين بإعطائهم اختيارات. يستخدم هذا الأسلوب على نحوٍ شائع في نظم التجارة الإلكترونية التفاعلية وتصميم المنتجات والتسويق، لهذا فإن “راسل” يؤكد على اختبار الأنظمة بصرامة لضمان عدم تسببها في أضرار غير مقصودة، ويشدد على ضرورة وجود آليات تجعل الذكاء الاصطناعي يستجيب لتفضيلات البشر بدلًا من فرض قراراته عليهم.
الفصل التاسع: التعقيدات: البشر
يشير “راسل” إلى أن أكبر التعقيدات التي تواجه نظم الذكاء الاصطناعي وجعلها أكثر أمنًا ليست التقنية نفسها، بل تعقيد الطبيعة البشرية، التي تتسم بتباين البشر واختلافهم عن بعضهم في الميول والتفضيلات ودوافعهم الشخصية، وغيرها من الأمور التي تُصعِّب من استعياب نظم الذكاء الاصطناعي لتفضيلات البشر كلها، وبالإضافة إلى هذه التحديات فإن الزمن والتغيير هو من التعقيدات، إذ إن تفضيلات إنسان القرن الواحد والعشرين تختلف اختلافًا جذريًا عن إنسان العصور القديمة والمتوسطة، وعلى ذلك فإنّ الحاجة إلى الوصول إلى فهمٍ أفضل للعمليات التي بمقتضاها تتكوّن وتتشكّل التفضيلات البشرية ستبدو واضحة لعدةّ أسباب، أهمها أن مثل هذا الفهم سيساعد في تصميم آلاتٍ تتجنّب التغييرات العرضية وغير المرغوب فيها في التفضيلات البشرية، من النوع الذي تعمل به خوارزميات انتقاء المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي. عندما نصبح مزوّدين بمثل هذا الفهم، فإننا بالتأكيد سنسعى إلى إحداث تغييرات ستؤدّي إلى عالمٍ أفضل.
الفصل العاشر: هل حلّت المشكلة؟
وختامًا في هذا الفصل يثير “راسل” التساؤل عما إذا كان لدينا حل نهائي لمشكلة التحكم في نظم الذكاء الاصطناعي الجديدة، وإذا كانت الإجابة بـ”نعم” فإن هذا النجاح سيحقق للبشرية حياة أفضل بتقليل خطر آلات الذكاء الاصطناعي وسيطرتنا عليها، وأما إذا كانت الإجابة “لا” فإن هذا سيؤدي إلى وجود نظم ذكاء اصطناعي خارقة لا يستطيع الإنسان السيطرة عليها، ومن ثم ليس للبشرية قدرة على حماية نفسها منها.
مقالات ذات صلة:
الفن الرقمي والذكاء الاصطناعي والغباء البشري
تقنية الميتافيرس وأبعادها الاجتماعية
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا