مقالات

سراب.. لا شراب فيه

لم تشهد القضية الفلسطينية على طول مداها اهتمامًا دوليًا حاشدًا ومتتاليًا ومريبًا، إلا بعد أن أيقن صنّاع هذه القضية المأساة أن مفتاح حلها قد اقترب من أيادي أهلها، وهم يعلمون جيدًا هذا المفتاح، وعملوا طويلًا على أن يغيبوه تمامًا عن ساحة الصراع.

وما إن يبدو أنه في طريقه إلى الأيادي التي تعرفه، وتعرف كيف تديره، حتى يبدأ الغرب الصهيوني لعبته القديمة الجديدة، في التآمر والتلاعب والتزييف والمماطلة واستخدام التمويه اللفظي في المغالطة الكلامية والجدلية، التي أجادوها من البدايات المبكرة لعهود المستعمرات، ومهّدها لهم جيش الاستشراق.

الذي كانت من أهم مهامه تغييب الحقائق كما هي بالفعل وفي الواقع، وصنع حقائق مزيفة لا علاقة لها بالحقيقة كما هي ولا علاقة له بالواقع كما هو، كما أخبرنا الراحل د.إدوارد سعيد في كتابه الهام الذي أطلق عليه نفس العنوان الاستشراق/المفاهيم الغربية عن الشرق، الكتاب ترجم إلى 20 لغة.

وقال بعدها د.سعيد أن الكتاب هو المقدمة الكبرى لثلاثة كتب تتناول العلاقة بين الشرق والغرب: القضية الفلسطينية وتغطية الإسلام، والثقافة والإمبريالية.

لاحظ الثلاثية الدقيقة: الإسلام/الثقافة/فلسطين، حتى يعلم الجميع ما هو موضوع الصراع الحقيقي، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حيي عن بينة. سورة كاملة في القرآن الكريم بهذا الاسم، البيّنة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

الرؤية التي قدمها د.إدوارد سعيد، تميزت بكونها من داخل الحقل المعرفي الغربي، وزاد عليها أنه قادم من الشرق (فلسطين) وأنه مسيحي وأنه أمريكي.

وسيكون ما قدمه الكبيران: على عزت بيجوفيتش ود.عبد الوهاب المسيري في تفكيك الخطاب الحضاري الغربي مظلة واسعة في فهم ومعرفة هذا العدو المبين، الذي تسلح بـالثورة الصناعية وطاح في أركان الأرض يستعبد باقي البشر بنوع جديد من أنواع الاستعباد والرق، مستخدمًا ألوان الاستعلاء كلها على كل ما ليس غربيًا!

وصدق من قال بحق أن العالم لدى الغرب هو صورته في المرآة.

قد يكون للغرب مشكلات وصراعات مع الشرق الأقصى، في الصين وكوريا والهند، وقد يكون له مشكلات وصراعات مع جارته روسيا، لكن مشكلته مع الشرق المسلم ستكون الأكبر والأصعب والأطول.

ليس فقط لطابعها التاريخي الذي طبعته الحروب الصليبية وتركت فيه أثرًا لا ينسى، لكن –وهو الأهم والأخطر– لأن موضوع الصراع هو الإنسان.

الصراعات الأخرى، ستدور ويدور معها الغرب في مدارات الهيمنة والسيطرة الاقتصادية والسياسية، وهو صراع الحياة من يوم أن عرف البشر الحياة، وسيبدأ وينتهي في هذه المدارات.

لكن الصراع مع الشرق المسلم لن يكون كذلك، حتى وإن بدا كذلك، أو كان في جانب من جوانبه فعلًا كذلك.

إنه صراع أعمق من كل ذلك، عميق، عمق الروح في الإنسان.

لكن هذا ليس موضوعنا هنا.

كنا قد تحدثنا أولًا عن المفتاح الذي طالما عمل الغرب/الصهيوني على استبعاده تمامًا من أيادينا في مقاربة القضية الفلسطينية، من اليوم الأول الهدنة 1948م.

بعد قرار الغرب التاريخي بالتخلص من اليهود في أوروبا، وحشرهم في أوهام تاريخية وأسطورية من فيافي الزمن، داخل ما سيعرف بـأرض الميعاد، ليكونوا حرّاسًا على مصالح الغرب في الشرق المسلم.

وعلى رأس هذه المصالح منع قيام أي قوة حضارية فاعلة في هذه البقعة من العالم، تذكروا ميكروفونات الخمسينيات والستينيات اللذيذة!

نسمع هذه الأيام عن الاحتشاد العالمي الذي تقوده فرنسا ثم إنجلترا، للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وها نحن نقترب من نهاية العام الثاني لـطوفان الأقصى.

وسيكون على أولي الألباب أن يتذكروا فورًا مؤتمر مدريد سنة 1991م، الذي جاء في خضم الانتفاضة الأولى 1987م/1993م التي انطلقت من غزة وتحديدًا من جباليا.

الانتفاضة الأولى كانت أول تدشين للمقاومة التي تستند إلى فكرة الجهاد، الفكرة المركزية في المفهوم الإسلامي للصراع مع الآخر المعتدي.

وهي فكرة شاهدة شهادة التاريخ، وعلى وقائع لا تنسى في العلاقة مع الغرب.

وفي المراسلات التي كانت بين صلاح الدين وريتشارد الأول قلب الأسد ملك إنجلترا بعد تحرير القدس، سنقرأ جملة بالغة الأهمية، قالها صلاح الدين للملك الإنجليزي فيما قاله حين طالبه ريتشارد بالتنازل عن القدس: “لن تملكوا هذه المدينة طالما استمر الجهاد!”.

الرجل كان من ذوي العقول الاستراتيجية والقلوب النورانية، فوضع قلب الصراع على المحك بهذه الجملة الرهيبة.

كما ذكر كاتب سيرة صلاح الدين المؤرخ والفقيه بهاء الدين بن شداد.

صلاح الدين كان قد خرج من قلب المعركة التي كان قد دشنها عماد الدين زنكي، التي تقوم على حتمية القتال ضد الصليبيين وطردهم، استنادًا إلى فكرة الجهاد.

وهي الفكرة التي قامت عليها دولته، ونادى بها في فرقاء العالم الإسلامي وقتها، ودعاهم لأن يكون هذا الجهاد ضد المعتدين الباغين، هو العقيدة القتالية التي تحشد من ورائها الأمة كلها.

استنفارًا واستنهاضًا لكوامن الإيمان فيهم، التي يعد الجهاد ذروة سنام الأمر كله، كما جاء في الحديث الشريف، ناهيك عن النص القرآني المباشر.

استجاب لدعوته من استجاب، واستخاب أيضًا من استخاب، وتحرك التاريخ وقتها لصالح من فهم الحقائق كما هي، وطُرِد الصليبيون من العالم الإسلامي.

وحاصل الموضوع أن المفتاح بقي كما هو المفتاح، وهو ما أكدته ورسخته التجارب التاريخية عبر الزمن في حركات التحرر كلها التي قامت ونادت وحشدت ونجحت طوال القرنين السابقين.

وسيكون على الغرب بعدها القيام بـعملية تاريخية كبرى معقدة ومركبة، وستشوه فيها فكرة الجهاد تشويهًا صارخًا، ورأينا طوال العقود التي سبقت طوفان الأقصى، الألاعيب اللعوبة كلها من القاعدة لداعش، إلخ، والحديث في ذلك ذو شجون طويلة.

نحن الآن في ساعة من تلك الساعات التي ينبغي على الإنسان فيها ألا يصفع قلمين على سهوة، قد يتسامح التاريخ مع الصفعة الأولى، لكنه لن يتسامح مع الصفعة الثانية.

مؤتمر مدريد جاء فورًا بعد الانتفاضة التي عرف الجميع وقتها وبعدها، أنها تعتمد فكرة الجهاد في المقاومة، لكن الكمالات لم تكن قد اكتملت بعد.

سنة المراحل التي خلق الله عليها الوجود، تسري في كل شيء، رغم أنه سبحانه أمره إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون.

علمنا ذلك من خلق السموات والأرض، ومن خلق الإنسان، ومن نبتة النبات ومن طلعة الفجر والنهار.

وعلمنا ذلك أيضًا من الانتفاضة إلى الطوفان، إنه قدر الله في الوجود.

لن ينخدع أحد بسراب لا شراب فيه كما يقولون، الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وإن بدا جميلًا وجذابًا لكنه لن يكون شيئًا، وما بدأ باسم الله الرحمن الرحيم سينتهي بنصر من الله العزيز الحكيم.

النص القرآني أخبرنا عن أهل العزائم والأنوار في تاريخ الأسبقين، وعن سؤالهم البريء: “متى نصر الله؟”، وجاءهم الرد من فوقهم: “ألا إن نصر الله قريب”.

وهو حتمي وإيماني وحقيقي.

ليس ذلك فقط من شواهد شاهدة، لكن لأنه يأتي من يقين بحقائق واعدة.

مقالات ذات صلة:

خلاصة ما جرى

الصراع المحتوم

عبقرية المقاومة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

 

د. هشام الحمامى

رئيس المركز الثقافي اتحاد الأطباء العرب – عضو الأمانة العامة والمجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب – مدير الشئون الطبية بقطاع البترول